
بقلم الدكتور حمزة علاوي
يترك الشاعر العراقي – حسام – قصيدته بلا عنوان كي يمنح المتلقي اختيار العتبة وفق قراءته ورؤيته الشعرية ، وهذا ما يفعّل الرؤية البصرية والذهنية ، ويفتح باب الدخول إلى النص ، وتفكيك أنساقه الشعرية وصولا إلى ما كان يرمي إليه الشاعر من خلق قراءة تفاعلية بينه وبين المتلقي.
(بيَ جُــــرحٌ غَيــــرُ فـــانٍ ، ولَــهُ
كلَّ يـــومٍ في كَياني مَجـــــزَرَهْ)؛
يستخدم الشاعر الانزياح التركيبي في مستهل قصيدته من أجل أن يحقق دلالة التوكيد لمعاناته النفسية المستمرة . يتخذ من غير فان دلالة استمرارية الألم .ومن كل دلالة التكرار ، وهذا ما يمنح النص سيرورة الزمن من ماض الى حاضر , فضلا عن إحداث حركة النص وتحولاته الزمنية. يوظف المجزرة كناية عن التعظيم والتفخيم ، وهذا ما يمنح النص بلاغة الصورة الشعرية من خلال المقابلة ما بين الجرح والمجزرة ، ما بين الصورة الحسية والمرئية . تمكن الشاعر من خلق التوافق بين الزمان _ يوم ، والمكان _ الجسد وكلاهما يعبران عن الوجود .
(يتعاطى بسمتـــــي إنْ ولـِـــدتْ
جرعـةً قصوى وشـــادًّا مِئـــزَرَهْ)؛
يوظف الطباق اللفظي ما بين البسمة والألم ،وهذه التضادية تحمل دلالة المعاناة النفسية؛ ووفقا لذلك تعبر – البسمة- عن طاقة إيجابية توازي الطاقة السلبية التي تجسدت بالألم، هذه البسمة تعد كناية عن الفرح . يتخذ من _ وشادا مئزره_ كناية عن التهيأ والاستعداد بسبب إرادته وقواه المادية والروحية. يعيش الشاعر في حالة مخمورة وسكرة من الألم ، و أمر من اللاوعي واللامتناهي.
(تخـتفي البهجـــــة من قلبي كأنْ
بين كَربــــي وابتهاجي قَـنـطَـرَه)؛
يكرر صوت الياء للتعبير عن دلالة الحزن والألم ، ويوظف الكرب كدلالة التعبير عن التعاسة الناجمة من المعاناة الجسدية والعقلية ، ويجعل من التضادية ما بين الحزن والبهجة كدلالة موسيقية حزينة ، وحالة توازي التأرجح الجسدي. ومن الجناس اللفظي_ بهجة وابتهاج _ ايقاعا ايجابيا يوازي ايقاعاته الحزن وهذا ما يحافظ على السياق الدلالي والبلاغي للنص. يتخذ من – قنطرة – دلالة التواصل بين الفرح والحزن ، والتشتت الذهني.
ساديُ الطبــــعِ كَـــوَالٍ كَــنــــزُهُ
كلــــــه عَـــرْقُ جبيـــنِ الفُـقَــــرا
يتخذ من -سادي الطبع- دلالة القسوة العاطفية ، أي وجود طاقة سلبية نمت من تعذيب الآخر وطاقة ايجابية ولدت من لذة التعذيب- الجرح ؛ ومن التوكيد المعنوي -كله دلالة لتوكيد المعاناة النفسية. يعيش الشاعر حالة صراع مع جرحه الذي يعبر عن هيجان مؤلم . يظهر النص حالة المونولوج الداخلي للشاعر والذي يعبر عن وصف المشاعر المتدفقة التي تمر في العقل، فمن خلاله يخاطب جارحه ؛ فهو يقارن بين حالتي الوالي الظالم -الجرح المؤلم – والفقر -الحالة التي يعيشها. يحرك النص من خلال التضاد ما بين الوالي صاحب النفوذ ،والفقير المطلوب عليه ،وهذا ما يوازي الجارح والمتألم .
أيُّ نبـــضٍ قد شكى من حكمـــه
أهلُ ذاكَ النبضِ قد قالوا افْترى
يمنح النص مساحة غير محددة من التساؤلات من خلال الأداة -أي. يكرر حرف التحقيق -قد- كأداة ايقاعية ودلالية تعبر عن التوكيد ، وإمكانية حدوث شيء قريب الحال، فضلا عن منح النص من خلال النبض حركة اهتزازية تؤثر على الصورة الذهنية للمتلقي. يجسد أنسىنة اللفظ -النبض -ويعده الحاكم في الحياة . يعمل على تحولات حبكية من النظرة الغى المعرفة من خلال تكرار _ نبض ، النبض_ ينتقل من المفرد إلى الجمع الخطابي، وهذا ما يعزز الاسلوب الالتفاتي، فضلا عن خلق صورة من الجناس اللفظي الذي يمنح النص إيقاعا موسيقيا . تمكن من تحقيق التوازن النفسي ما بين الفعل – التظلم ، ورد الفعل – قالوا افترى.
تـنزوي ضَحْكاتيَ البِيـــضُ الأُلى
مثلَ طِفـــلٍ فَــــرَّ مِنْ مَنْ عَيّــرَهْ
يستخدم الشاعر ثنائية الترادف ما بين الأبيض والطفل، كلاهما رمز البراءة، وكذلك- تنزوي، فَــــرَّ- هذه الثنائيات تحمل دلالة البعد النفسي والدرامي، لإخراج الصورة الشعرية بإطارها التمثيلي الجمالي. منحت النص ايقاعا صوتيا من خلال -مِنْ مَنْ-فضلا عن جعل النص أكثر حبكة من ناحية السياق التركيبي.
وكأنْ ليْ ذنـــبُ عـمــرٍ قد مضى
عابــدًا ربًّــــا بخـيــلَ المَـغـفَـــرَهْ
يؤثر القلق الذي يعيشه الشاعر على الشعور بالذنب وبدون سبب، فيشبة نفسه بصورة أخرى مذنبة، مضى عليها الزمن، ويتخذ من بخيل المغفرة دلالة التمرد والعصيان.
وإذا صافــح دمعــــي -كاااذبٌ-
صَفحُـــه كانَ كميــــــنًا لا ثَــــرى
يستمر الشاعر في محاورة ذاته ،والافصاح عن المخمور في عقله الباطن ،فهو يستخدم الأيحاء الصوري ،لنسج الصورة الخيالية.يوظف الأداة -اذا-للدلالة على الاستقبال والشك والشرط،واحتمالية وقع الحدث وهو المصافحة التي اضفى عليها طابع الانسنة ،ليحقق الجمالية البلاغية من خلال الانزياح اللغوي








