
بقلم: دكتور / جميل جورجى
gamil.gorgy@gmail.com
لملم العام أوراقه بحلوها ومرها ورحل كغيره، وترك في النفوس ذكريات مفرحة وأخرى مؤلمة؛ فقد جعل الله هذا مع ذاك لكيما يعتبر الإنسان. فالألم ليس عقاباً من الله في كل الأحيان، بل هو وسيلة للتنقية والتزكية، إذ إن من يجتاز مشكلة الألم يشعر بالمتألمين ويسرع لإعانتهم.
إن كل الخليقة تئن وتتوجع، فالعالم مليءٌ بالأحزان والهموم والآلام، سواء النفسية أو الجسدية التي تهدم الجسم وتحطم القلب؛ فهناك الكثير من المشاهد المحيرة والهموم والتجارب المريرة والآمال الضائعة. لماذا تلك المظالم والمشكلات التي يقف أمامها الإنسان حيراً؟ لماذا تلك الأمراض الفتاكة والفقر والمجاعات؟ لماذا يتألم الأطفال الأبرياء؟ لماذا يرتفع الظالم فوق الناس ويتمادى في ظلمه؟
يؤكد “كاجاوا” الكاتب الياباني الشهير في مؤلفه “معضلة الألم” على أن الألم في نظر الذين يعرفون الله فن من أرقى أنواع الفنون، فالله قد غرس بذور الألم في حياتنا ليخصب بها مادة حياتنا. إن الحكمة الإلهية من وراء الألم هي أن نشعر بآلام غيرنا؛ فمن اجتاز تجربة الألم يسرع لإعانة المتألمين. فالألم هبة من الله لكيما يزكي نفوسنا وينقيها، سواء كان سبب الألم عضوياً أو نفسياً؛ لأن من ذاق الألم يسرع لإعانة المتألمين.
يؤكد “د. جون كيندي” أحد علماء النفس على أن الهموم تنشأ من التربية، فكثيراً ما كان الهم وليد الشخصية التي دخلنا بها إلى الحياة العملية ونشأنا بها وصاحبتنا منذ نعومة الأظفار. ويستطرد “د. كيندي” قائلاً: “هناك أب يعطي أولاده فكرة عن أن الحياة كلها شقاء وبؤس، وأنه ليس هناك في الوجود من يحبه سوى أفراد أسرته؛ بينما هناك من تربى على الحياة السهلة وتم إبعاده عن كل الصعوبات وإجابة كل رغباته، وهو ما يخلق في الطفل حياة مضطربة لينة لا تعرف المسؤولية”.
يعترض الفيلسوف “دانيال سنايدر” قائلاً: “لو كانت في المعاناة ضرورة تفيد الإنسان وتنمي شخصيته وتهذبها، فلمَ لا تكون هذه المعاناة مؤذية؟” بمعنى أن يكون البلاء مجرد وهم وتجربة محاكاة يضع الله فيها البشر دون معاناة قد تنمي شخصيتنا؛ نعم، ولكن سيفقد العالم خيراً كثيراً. ويستطرد “سنايدر” قائلاً: “في عالم كهذا لن يعين أحد أحداً، ولن يتعاطف أحد مع الآخر، ولن يغفر أحد لأحد، ولن يعوض أحد أحداً، ولن يمجد أحدٌ أحداً يسعى إلى هدف نبيل، ولن يهب من ماله ووقته أو موهبته شيئاً للمحتاجين، وفي هذه الحالة لن نشعر بوخز الألم وسيصبح عالمنا ضيقاً للغاية وخالياً من كل اتصال حقيقي”.
يشرح عالم النفس الأمريكي “رولو ماي” كيف أن المعاناة تعد حتمية أحياناً لتبديل قناعاتنا الخاطئة، فتصنع لنا شخصية نمتن بها أكثر مما نجزع لما أصابنا من الألم؛ إذ إن العامل الرابع في تحويل نمط الشخصية هو استخدام المعاناة، إذ إن النصيحة والإغراء والإقناع الخارجي لن يتعدى تأثيراً وقتياً، بعكس ما تفعل المعاناة حينما ننظر إليها بعينين مختلفتين. ويؤكد “رولو” على أن المعاناة تبدو كباب تنفذ من خلاله الروح إلى أسرار كشفتها الآلام، إنها إحدى القوى التي تحمل إمكانات إبداعية مذهلة. وليس من قبيل الرومانسية العاطفية أن نعزو الكثير من الإبداعات العظيمة عند بعض الناس دون النظر إلى معاناتهم؛ إذ كيف يمكننا فهم الأعمال العظيمة “لبوتيشيلي” و”فان جوخ” و”دوستويفسكي” إلا من خلال علاقتها بمعاناة هؤلاء الفنانين؟
قد تتألم لا لأنك قد أخطأت، بل لأن الله يريد أن يعدك لما هو أعظم، إذ إن بعض الآلام ليست إلا معبراً لما هو أجمل، وكم من ألم قد ظنناه كسراً فإذا به بابٌ لخير ما لم نتخيله. عندما سئل العالم “ل. تللر” عن كيف يأمن شر القلق أجاب قائلاً: “عندما يواجهني موقف عصيب أتأمله، فإن كان هناك ما يمكن أن أفعله للتغلب عليه فعلته، وإن لم يكن هناك ما أفعله نسيت الأمر بالكلية؛ فهل أقلق من أجل شيء لم يحدث ولا أدري على أي وجه يحدث؟” وهذه هي فلسفة الحياة السعيدة.
إن الطريق الأمثل والمنطقي للتغلب على الأزمات وأن تحيا سعيداً هو أن تختار ما بين أحد الأمرين: فإما أن تنحني حتى تمر العاصفة بسلام، وإما أن تتصدى لها فتهدمك وتحطمك؛ فلابد وأن نكون كالأغصان الطرية التي تنحني أمام العاصفة، لا كالأشجار الصلبة فتقتلعنا وتحطم أعصابنا. في هذا الصدد تحدث “د. نورمان بيل” عن تجربته قائلاً: “اشتريت حقلاً مجاوراً لمنزلي به بعض الأشجار الباسقة المعمرة، وكنت معجباً بأحدها، كنت أخشى أن تقتلعها الرياح، وبالفعل حدث ما كنت أخشاه فسقطت الشجرة وهدمت السور فتألمت جداً”. واستطرد “د. بيل” قائلاً: “لاحظت زوجتي علامات الألم على وجهي فكلمتني وشجعتني قائلة: عليك أن تشكر الله، ألم يكن من الممكن أن تقع الشجرة على أحد أولادنا فيموت؟ يجب أن تتقبل الأمر الواقع. واقتنعت بصحة كلامها ورضيت بالأمر الواقع”.
يقول الشاعر الإنجليزي الكفيف “جون ميلتون”: “ليس من البؤس أن تكون فاقد البصر، ولكن البؤس هو أن لا تستطيع احتمال فقد البصر؛ فما أجمل من أن تقابل بالشكر الظلام والأنواء والجوع والمصائب” والافتراءات بالاحتمال والصبر كالأبطال.. على الإنسان أن يتحلى بالصبر وأن يسلم بالأمر الواقع بعدما يفعل كل ما بوسعه لمواجهة المشكلة وإن لم يستطع فعليه أن يسلم بالأمر الواقع بصدر رحب ويحسن الظن بالله ويتوقع الخير وينتظر أوقات الفرج من لدنه سبحانه وتعالى .. يعد الصبر فى مواجهة الأزمات والمواقف الصعبة ملاذ آمن لكل من يلوذ به فما أشقى من لاصبر لهم فالجروح لاتبرأ إلا بالتدريج وكما يقول “دوماس مان” أن الزمن يهدئ كل شى ويجلو كل شئ وما من حالة من حالات الإضطراب النفسى إلا وتتغير بعد وقت قصير ..على الإنسان أن يواجه صعوبات الحياة بصدر رحب ولابد أن نكيف نفوسنا وفقاً للظروف التى نمر بها متوقعين أوقات الفرج من عند الله فالحياة تبعث فينا روح
