
كان أحد أبرز الوعود التي رافقت انتشار الذكاء الاصطناعي في قطاع البرمجيات هو رفع إنتاجية المبرمجين ومساعدتهم على إنجاز مهام أكثر خلال وقت أقل، لكن تجربة مهندس برمجيات أثارت جدلًا واسعًا بعدما وصف واقع العمل داخل شركته بأنه تحول إلى ساعات طويلة من الانتظار والمراجعة والضغط على زر «Enter».
المهندس، الذي يستخدم اسمًا مستعارًا هو «voxium» وفضل عدم الكشف عن هويته خوفًا من رد فعل جهة عمله، قال إن طبيعة وظيفته تغيرت بشكل جذري بعد الاعتماد المكثف على أداة Claude Code التابعة لشركة Anthropic، معتبرًا أن العمل أصبح «مستنزفًا للروح».
الذكاء الاصطناعي يكتب كل شيء تقريبًا
بحسب رواية المهندس، بات الذكاء الاصطناعي يتولى إنتاج معظم مخرجات فريقه، بداية من مواصفات المنتجات والاختبارات، مرورًا بتذاكر العمل، ووصولًا إلى التقارير والشفرة البرمجية.
وقال إن الموظفين يعملون ما بين 12 و13 ساعة يوميًا، رغم أن دورهم أصبح في كثير من الأحيان يقتصر على إعطاء التعليمات للأداة ومراجعة ما تنتجه.
وأوضح أن الضغط المتزايد لتسريع إطلاق المنتجات لا يترك للمبرمجين وقتًا كافيًا لفحص الشفرة التي يولدها الذكاء الاصطناعي أو فهم تفاصيلها، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تكمن في استخدام التقنية بحد ذاتها، وإنما في غياب الوقت الكافي للمراجعة والتدقيق.
وأضاف أن جميع مستويات المهندسين داخل الشركة تقريبًا أصبحت تعتمد النهج نفسه، قائلًا إن الموظف لم يعد يؤدي بالضرورة دور المبرمج التقليدي، بل أصبح يعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنجاز الجزء الأكبر من المهمة.
عندما يفقد العمل معناه
يرى المهندس أن المشكلة تتجاوز مسألة عدد ساعات العمل أو حجم الجهد المطلوب، لتصل إلى شعور متزايد بفقدان الهدف من الوظيفة.
وأوضح أن حرمان المبرمجين من فرصة فهم الشفرة وحل المشكلات المعقدة يجعل العمل أقل ارتباطًا بالمهارات التي دفعتهم أصلًا إلى اختيار هذا المجال، مشيرًا إلى أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تراجع التفكير والتحليل البشري داخل فرق البرمجة.
ويربط المهندس هذه الظاهرة بما وصفه بهوس إدارات الشركات بطرح أكبر عدد ممكن من الميزات والخصائص في أقصر وقت.
وبحسب روايته، أصبحت بعض الإدارات تقيس أداء الفرق من خلال عدد دورات العمل، وطلبات دمج الشفرة، والميزات التي يتم إطلاقها، بدلًا من التركيز على القيمة الفعلية التي تضيفها هذه المنتجات إلى المستخدمين.
مخاوف من تراجع الوظائف
ولم تكن هذه المخاوف فردية، إذ أبدى عدد من المبرمجين الذين تفاعلوا مع التجربة مخاوف مشابهة بشأن مستقبل المهنة في ظل التوسع السريع في استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي.
ويخشى بعض المطورين من أن يؤدي تولي الأدوات الذكية لجزء متزايد من المهام البرمجية إلى تقليص الحاجة إلى أعداد كبيرة من المبرمجين، خصوصًا مع قدرة هذه الأدوات على إنتاج الشفرة والاختبارات والتوثيق خلال فترات زمنية قصيرة.
كما أثارت التجربة نقاشًا أوسع حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤدي بالفعل إلى زيادة إنتاجية المطورين، أم أنه قد يضيف طبقة جديدة من العمل تتمثل في مراقبة مخرجات النماذج وتصحيح أخطائها وإعادة توجيهها بصورة مستمرة.
هل يمكن أن يبطئ الذكاء الاصطناعي المبرمجين؟
المفارقة أن بعض الدراسات والتجارب العملية أثارت تساؤلات حول تأثير أدوات البرمجة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في الإنتاجية الفعلية.
وفي بعض الحالات، أظهرت تجارب أن المبرمجين ذوي الخبرة قد يستغرقون وقتًا أطول عند الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي مقارنة بالعمل التقليدي، خصوصًا عندما تتطلب المخرجات مراجعة دقيقة أو تعديلات متكررة.
ومع تطور وكلاء البرمجة، ظهر نمط عمل يعتمد على حلقات متكررة من إعطاء التعليمات للنموذج، وانتظار المخرجات، ومراجعتها، ثم إعادة توجيهه لإجراء تعديلات جديدة، بدلًا من كتابة الشفرة وفهمها بصورة مباشرة.
ويكشف هذا النموذج عن تحدٍ أساسي أمام الشركات التي تعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي: فكلما زادت قدرة الأدوات على تنفيذ المهام بصورة مستقلة، زادت الحاجة إلى وجود مهندسين قادرين على فهم ما يحدث والتحقق من جودة النتائج.
أخطاء الذكاء الاصطناعي قد تكون مكلفة
وتزداد أهمية الرقابة البشرية عندما تتعامل وكلاء الذكاء الاصطناعي مع أنظمة وبيانات حساسة.
وفي إحدى الوقائع التي أثارت مخاوف داخل قطاع التقنية، تمكن وكيل ذكاء اصطناعي من حذف قاعدة بيانات إنتاج خاصة بشركة ناشئة، إلى جانب نسخها الاحتياطية، بعد استدعاء واحد لواجهة برمجة التطبيقات التابعة لمزود الخدمات السحابية.
وتسلط مثل هذه الحوادث الضوء على المخاطر التي قد تنتج عن منح أنظمة الذكاء الاصطناعي صلاحيات واسعة دون وجود آليات كافية للمراجعة والموافقة البشرية.
وفي النهاية، لا يدور الجدل حول Claude Code وأدوات البرمجة الأخرى حول قدرتها على كتابة الشفرة بسرعة فحسب، بل حول طبيعة الدور الذي سيبقى للمهندس البشري عندما تصبح الآلات قادرة على إنتاج الشفرة والاختبارات والتقارير وتنفيذ المهام بوتيرة قد تتجاوز قدرة البشر على المراجعة والفهم.








