قراءة حفريّة في أغنية محمد منير

بقلم خالد الحديدي
عندما يغنّي محمد منير، فإنه لا يقدّم أغنية عابرة، بل ينبش في ذاكرة الجماعة الثقافية، مستخرجًا منها ما هو مطمور، ومركّب، ومرهف. وفي أغنيته “وسط الدايرة”، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد احتفاء بالأنوثة والفرح، نجد أنفسنا إذا نظرنا بعين حفريّة أمام تجسيد شعريّ رمزيّ لمصر، لا بوصفها وطنًا جغرافيًا، بل كائنًا أنثويًا يحتضن الوجود، ويُشعّ نورًا وسط الظلمة، ويقاوم التآكل بالصوت والحضور والبهجة.
“وسط الدايرة يا أجمل نايرة، خلي قلوبنا تطير… وارحلي بينا فراشة حنينة بين زينات وعبير” لا يصف النص امرأة بعينها، بل يُعيد تشكيل صورة الأنثى الجمعية التي تعني، في الوعي الثقافي المصري، مصر ذاتها. الأنثى “النايرة”، من النور، ليست مجرد حضور أنثوي رقيق، بل وجه الوطن المتوهّج، المتجدد، الخفيف، المعطر، المحتفل. هذا الوطن لا يلبس بدلته الرسمية، ولا يظهر في نشرات الأخبار، بل يبتسم في وجه الحشود، ويُطير القلوب وسط حلقة من الضوء والزينة.
الدائرة، في النص، ليست شكلًا هندسيًا بريئًا، بل رمز كونيّ عريق للحياة والخصوبة والتجدد. في الطقوس الشعبية، كما في الزار والتحطيب ورقصات الريف، الدائرة هي فضاء الطقس الجماعي، حيث الوجود يحتفل بنفسه، ويطرد الحزن، ويستدعي الفرح. ووسط هذه الدائرة، تكون مصر. لا في الأطراف، ولا على الهامش، بل في المركز تمامًا؛ حيث يُعاد إنتاج المعنى والذاكرة والانتماء. الدخول إلى وسط الدايرة هو الدخول إلى قلب الهوية، إلى النقطة التي تتقاطع عندها كل الخطوط، وتُفتح فيها زهرة الجماعة.
لكن ما يجعل هذه الأغنية عظيمة، ليس فقط جمالها اللحني أو غناها الرمزي، بل تغييبها العميق والمقصود لكل ما هو سلطوي. لا نجد في النص ذكرًا للجيش، ولا للعلم، ولا لأي سلطة رسمية، بل مصر كما يعرفها الناس: زينة، عبير، خصلة، وردة، حضن. هذه مقاومة ناعمة، صامتة، لكنها فعالة؛ لأنّها تُحرّك الذاكرة الحيّة، لا الذاكرة المعلّبة. فالانتماء لا يُصنع بالخطب، بل بالاحتفال. ومَن يحتفل بمصر، يحتضنها من الداخل، ويمنحها معنى يتجاوز الشعارات.
“عمرك كله فرح يا زينة… شيلي من الأفراح وادّينا… يا تريحي يا تريحينا… لسه الوقت طويل”. زينة هنا ليست امرأة عابرة، بل هي تجسيد زمني لمصر: قادرة أن تمنح وتُبهج، لكنها مرهقة. والصوت الذي يخاطبها ليس صوت عاشق فقط، بل صوت جيل بأكمله، يتأرجح بين الحنين والانكسار، بين الحلم والخذلان، لكنه لا يزال مؤمنًا بأن الوقت “طويل”، وأن شيئًا ما يمكن أن يحدث، فقط إذا فتحت الزهرة مرة أخرى.
أغنية “وسط الدايرة” ليست فقط نصًا غنائيًا، بل طبقة من الذاكرة الشعبية، تستدعي ما هو مهمل ومنسيّ. الزمن فيها غير خطيّ، بل حلقيّ، يتكرر فيه المعنى ويعود ليُكتشف من جديد. تُحضر الأغنية زمن القرية، وزمن الأفراح القديمة، وزمن الجماعة، وتغيب عنها كل مظاهر العسف والاحتواء الرسمي. هناك غياب مؤسس للسلطة، لكنه غياب مقصود، كي تحضر مصر من جديد، في شكلها الطري، الخفيف، النابض.
محمد منير لا يغني مصر، بل يستدعيها من العمق. و”وسط الدايرة” ليست أغنية فحسب، بل طقس ثقافي يُعيد تشكيل علاقتنا بوطنٍ أنهكته الشعارات، ويحتاج لمن يرشّه بعطر الحياة، ويفتح فيه زهرته. ليست مصر القومية أو العسكرية أو البيروقراطية، بل مصر النابضة، مصر الزينة، مصر التي إذا دخلتَ دائرتها، أعادتك طفلًا يُطير قلبه في الفراغ. هذه مصر التي تنتمي إلى الغناء لا البيان، وإلى الإيقاع لا الخنادق، وإلى الفرح بوصفه سبيلًا لاسترداد المعنى من غبار النسيان.
