
بقلم : حسني حنا
” لا يوجد بلد واحد ، يخضع من حيث ميوله الفطرية وسرعة انطباعاته للمنتصر ، بمثل الرغبة التي تخضع بها سوريا ” .
* polibius بوليبيوس
يبرز في الحقبة الأخيرة من العصور القديمة حدثان هامان : الأول هو انطلاق القبائل الجرمائية ، التي انتهت بسقوط الامبراطورية الرومانية في الغرب ( 476 م ) والثاني : انطلاق القبائل العربية الاسلامية في القرن السابع الذي سلخ عن الامبراطورية البيزنطية أفضل أقاليمها، وأزال الامبراطورية الفارسية ، وقد كانت بيزنطية وفارس ، تتمتعان بقوة عالمية ، بينما لم يكن العرب شيئا مذكوراً، ولم يكن باستطاعة أحد من معاصري تلك الفترة أن يتكهن أن مثل هذا الحدث من الأمور المحتملة الوقوع .
هذه المقالة ترصد ما حدث وكيف حدث بالتوثيق من المصادر العربية والأجنبية. لنعلم كيف كانت تلك النكبة التي دخلت الى سوريا، منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام … وتتوالى الأحداث لنرى كيف ضاعت سوريا وكيف تحولت من منارة للحضارة إلى محط رحال قبائل البدو العربية الغازية ، التي طمست حضارة وثقافة الامة السورية، وفرضت لغتها وديانتها ، وقد استخدم العرب في أعمالهم الحربية كلمة (فتح ) للتقليل من صدمة كلمة (الغزو) .
حركة الفتوحات العربية
امتدت الفتوحات العربية الاسلامية قرناً وبعض القرن ، بعد وفاة النبي محمد عام (632) وكانت متعددة النواحي ، منوعة النتائج ، بدأت في سوريا وبلاد الرافدين ومصر، وامتدت بعد ذلك إلى الهند والصين شرقاً ، وشمال أفريقيا غرباً . وقد استطاعت جبال طوروس في الشمال، وهي الحد الطبيعي للبلاد السورية ، أن توقف هذا الزحف المتواصل نهائياً..
كان الفتح العربي الاسلامي (فتحاً عسكرياً) أسهم في سهولته الصراع المستمر بين الفرس والبيزنطيبين ، الذي انهك الطرفين . وكان (فتحاً عنصرياً) بمعنى أن الجنس العربي قد تغلب على الاجناس الأخرى، وتمثلها في بعض الاقطار دون الأخرى. وكان (فتحاً لغوياً) فقد انتشرت اللغة العربية في الاقطار المفتوحة انتشاراً سريعاً .. على أنه يجب أن نلحظ فتحاً رابعاً في هذه الفترة هو (الفتح الديني) فقد انتشر الإسلام في الأقطار المفتوحة لاسباب كثيرة ، لا يتسع المجال لبحثها الآن…
وقد حاولت أمم وشعوب كثيره – الثورة ، والخروج عن سلطان العرب أما البلاد التي أصبحت (عربية) لغة وفكراً وعقلاً ، هي التي تحدها جبال طوروس شمالاً ، وجبال فارس شرقاً ، ثم تمتد غرباً، فتشمل مصر وشمال أفريقيا كله. هذه الحدود اللغوية ، تتفق مع حدود طبيعية . كان اجتيازها صعباً على عدد كبير من القبائل العربية الراغبة في الاستيطان ، فلم تقطن وراءها جماعات كبيرة ، لذا اقتصر تأثير العرب فيها على الدين، وهنا حافظت تلك الشعوب على لغاتها وتقاليدها .
على اننا نلحظ أن الامبراطورية العربية الإسلامية لم تلبث أن تضعضت ، ولم يمض قرن من الزمان، حتى تفككت وتجزأت .. والواقع أن هذا الانقسام كان امراً طبيعياً ، ونتيجة محتومة . فقد كانت رقعة هذه الإمبراطورية عندئذ شاسعة ، متباعدة الأطراف، وكانت المسافة بين جزائها الشرقي وطرفها الغربي، تحتاج في قطعها الى عشرة أشهر ، على ما قدّر الجغرافي (المقدسي) إضافة إلى أنها كانت خليطاً عجيباً من الأمم والشعوب المختلفة في كل شيء . كالعرق واللغة والثقافة ، والعادات والتقاليد وغيرها .. لا يجمع بينها جامع سوى حدّ سيف الفاتح، ووعاء الاسلام الكبير .

وما كان من المتيسّر أن تدار هذه الرقعة كلها من مركز واحد ، وقد كانت المواصلات على ما نعرف. وكان نظام ( الخلافة ) في الاسلام نظاماً فريداً في شكله ومضمونه ، حيث يجمع الخليفة في شخصه السلطتين السياسية والدينية معاً … وقرابة (900) عام ، كانت الخلافة محصورة في قبيلة ( قريش ) فالراشدون والأمويون والعباسيون ، كانوا كلهم من قريش . وهذا هو أطول حكم لعائلة في التاريخ .
وقد اتخذت الامبراطورية العربية الإسلامية فيما بعد ، شكلاً سياسياً تمثل في ثلاث وحدات ، على رأس كل منها (خليفة) هي العراق ومصر والاندلس ، وقد اعتبر هذا حلاّ في ذلك الزمان .. وما لبث الخلاف ان دبّ بين هذه الوحدات الثلاث ، واستحكمت العداوة بينها، فاختصمت واحتربت، وكان بعضها عوناً للأجنبي على البعض الآخر، كما تجزأت هذه الوحدات موضعياً ..
اسم (الشام)
(الشام ) هي التسمية التي أطلقها الفاتحون العرب المسلمون على البلاد السورية، وهي تعني (الشمال) كما تعني اليمن (الجنوب) بالنسبة إلى الحجاز(المحجوز بالصحاري) ..
واسم (الشام) استعمله العرب ، للدلالة على جميع المناطق الشمالية، بالنسبة لشبه جزيرة العرب. وقد ذكر ( الهمذاني ) هذا الاسم لأول مرة في كتابه ( الاكليل ) .
والأمر الذي يلفت الانتباه هنا، قبل كل شيء ، هو ذلك التناقض الطبيعي الواضح، بين الهلال الخصيب شمالاً، وشبه الجزيرة العربية جنوباً .. الطبيعة الصحراوية الجافة والمجدبة في شبه الجزيرة العربية، وطبيعة المنطقة الخضراء الخصبة – التي تجاورها في الشمال، وهذا ما سوف يتوضح لاحقاً .
بلاد الشام والعرب عشية الفتح
إذا قلنا (العرب) اليوم أردنا بها سكان شبه جزيرة العرب والعراق والشام ومصر والسودان و بلدان المغرب
أما قبل الاسلام ، فكان يراد بالعرب، سكان شبه جزيرة العرب فقط . لأن أهل العراق والشام كانوا من السريان والكلدان ، والانباط واليهود واليونان، وأهل مصر من الأقباط، وأهل المغرب من البربر والوندال، وأهل السودان من النوبيين والزنوج . فلما ظهر الاسلام وانتشر في الأرض ، وغلب لسانهم على ألسنة أهلها فسمّوا (عرباً) . (جرجي زيدان : العرب قبل الاسلام ، مكتبة الحياة ، بيروت ص 41) .
وقد تأخّر العرب عمن حولهم في الحضارة، وغلبت عليهم البداوة، وعاش أكثرهم عيشة قبائل رُحّل لا يقرّون في مكان ، ولا يتصلون بالأرض التي يسكنونها اتصالاً وثيقاً ، كما يفعل الزرّاع . بل هم يتربّصون مواسم الغيث ، فيخرجون بكل ما لهم من نساء وابل واغنام ، يتطلبون المرعى .
لا يبذلون جهداً عقلياً ، في تنظيم بيئتهم الطبيعية ، كما يفعل أهل الحضر ، إنما يعتمدون على ما تفعل الأرض والسماء، فإن أمطرت رعوا ، وإلا ارتقبوا القدر! . وليس هذا النوع من المعيشة بالذي يرقي قومه ، ويسلمه إلى الحضارة. إنما يسلّم الى الحضارة عيشة الاستقرار ، واستخدام العقل في تنظيم شؤون الحياة (احمد امین : فجر الاسلام . دار الكاتب العربي ، بيروت 1975 ص 4) .
ويقول المؤرخ (د. فيليب حتّي ) : ” ان الدّين كان أكبر عامل في خلق تلك الروح المتحفزة ، التي بدأها المسلمون ، ولكن ذلك ليس كافياً وحده لتعليل الفتوحات . فكثرة الجيوش العربية، كانت تتألف من البدو. الذين خرجوا من ديارهم المجدبة إلى الأمصار الخصبة ، بدافع الحاجة الاقتصادية ، لا بدافع الغيرة على الدين فقط !…
ولعل منهم من كان يحلم بالجنّة ونعيمها، وإن الكثير منهم يحلم بالتمتع بخيرات حضارة الهلال الخصيب ونعمها ( د. فيليب حتي : تاريخ العرب ص 59 ) .
ويذكر الكاتب أحمد امين “أنه حين الفتح الإسلامي لسوريا ، كان يسكن هذه البلاد السوريون اهل البلاد، وبعض الروم والأرمن واليهود ، وبعض قبائل عربية منها غسان وقضاعة ولخم وغيرها ( وهي قبائل مسيحية ) وكانت لغتهم مزيجاً من السريانية والعربية (احمد امين : مصدر سابق ص 69)
هكذا بدت الصورة الخارجية لعناصر الصراع عشية الفتح العربي لبلاد الشام، وتحتها آلاف التفاصيل المتشابكة والمتنافرة …
ويقول (د. فيليب حتي) في معرض حديثه عن الفتح الإسلامي : كان الفوز الأول به للقومية العربية – لا للدين الاسلامي ، ولم يدخل السواد الأعظم من سكان سوريا والعراق وبلاد فارس في الاسلام ، حتى القرن الثاني والقرن الثالث للهجرة . إذ بين الفتح العسكري والفتح الديني ، حقبة طويلة من الدهر. واذا كانت الأمم المغلوبة ، قد قبلت الاسلام بعد بعدئذٍ ، فلأنها ارادت الخلاص من (الجزية) وتاقت لمشاركة الطبقة الحاكمة في ولاية الأمور ، وبعد الفتح العسكري والفتح الديني ، سار العرب والمستعربون في منهاج الثقافة بخطى واسعة .. وركز الاسلام اهتمامه ، على ماورثه من حضارة الآراميين والسريان والفرس واليونان ، التي تحدّرت اليه (د. فيليب حتي : مصدرسابق ص 202)
خطورة الفتح العربي
لقد تخطى فتح سوريا الاعتبارات الزمنية المحلية ، واكسب الفاتحين الثقة بالنفس والمهابة في نظر العالم آنذاك.
والآن وقد غدت سوريا قاعدة عسكرية ، فإن جيشاً عربياً توجّه منها بقيادة (عياض بن غنم) نحو الشمال الشرقي ، وقام بأعمال حربية بين عامي (639 – 646 ) تمّ له بها إخضاع بلاد ما بين النهرين جملة . ففتح بذلك الطريق إلى بلاد فارس وما وراءها ، ثم زحف جيش آخر بقيادة (عمرو بن العاص) في اتجاه جنوبي غربي تم له به بين (640 – 646 ) . إخضاع مصر، ومن مصر انطلقت بسهولة الأعمال الحربية في شمال أفريقيا . واخيراً في اسبانيا (الأندس) أما في شمال سوريا، فقد تعرضت بلاد الأناضول للغارات التي استمرت بدون انقطاع ، ما يقرب من قرن من الزمان.
تحليل الفتح العربي
لم تكن الحملات على سوريا والعراق، نتيجة خطة مرسومة وتدبيرسابق. ولم يعقد ( أبوبكر) أو (عمر) المجالس الحربية ، ولا وضعا خططاً للقتال، بل لم يحلما اصلاً باقامة قاعدة دائمة في المناطق المحتلة ، لكن الذي قادهم الى هذه النتيجة ، إنما هو مجرى الأحداث وسير الأمور. وبناء على ذلك ، لم يسمح للجيوش في أول الأمر بالاقامة في المدن. بل أقيمت لها معسكرات وقواعد بدائية .
ولا ينبغي أن ينظر إلى الفتح العربي الاسلامي ، من ناحية أنه كان بالدرجة الأولى جهاداً دينياً – والواقع أن التوسع العربي الإسلامي، إنما دعت إليه عوامل اقتصادية بعيدة الغور، لم يخف أمرها على المحققين من مؤرخي العرب انفسهم نظير ( أحمد بن يحيى البلاذري فقد ذكر أن (أبا بكر ) إذ أخذ في إعداد الحملة على سوريا : كتب إلى أهل مكة والطائف واليمن ، وجميع العرب بنجد والحجاز ، يستنفرهم للجهاد ، ويرغبهم فيه ، وفي غنائم الروم ” ( البلاذ ري : فتوح البلدان ص (107) .
وكان من اجتماع العامل الديني بالدافع الاقتصادي ، ما جعل الحركة أمراً لا يدفع ، ولئن كانت الرغبة في نشر العقيدة الجديدة ، وفي الفوز بجنة النعيم، المحرك في حياة البعض من المحاربين البداة ، فإن الحرص ، على الظفر بأسباب الراحة والرغد ، التي كانت تحفل بها الحياة المدنية في الهلال الخصيب – كان المحرك الدافع فيما يتعلق بالكثيرين منهم …
و من الخير أن نتذكر أن دفع ( الجزية ) كان في نظر الفاتحين أولى و أشهى ، فإنه إذا اعتنق (الذمّي) الاسلام ، سقطت عنه الجزية.
ويذكر بعض الكتاب بأنه : ” لو علم هؤلاء والعرب ، بما تتمتع به بلاد الشام من الخيرات، لما بقي أحد منهم، إلا وجاء يعبّ من خيراتها”!…
التحول الى الحجاز
في غضون الألف سنة . التي تلت فتوحات الاسكندر (333 ق.م) . كانت الحياة الحضرية في سوريا والبلدان المجاورة ، تتحّول نحو الغرب عبر البحر المتوسط، وتتّسم بطابعه. أما الآن فقد اتجه التحول شرقاً عبر الصحراء الى الحجاز، ولم تلبث آخر الصلات بروما وبيزنطة أن انفصمت ،و انشئت مكانها صلات جديدة بمكة والمدينة
وفي مدى عقد من الزمان، بدّل الفتح العربي الاسلامي وجه الشرق الأدنى، و في مدى قرن، بدل وجه العالم المتمدن ، وبالسيطرة على البحر المتوسط ، لاسيّما شواطئه الشرقية والجنوبية والغربية ، تمّ قطع الصلة البحرية بين الشرق والغرب .
معضلة الإدارة
كانت المعضلة التالية . التي واجهها الفاتحون : كيف يتيسّر لهم أن يديروا ممتلكاتهم الجديدة ؟!.. فقد أفاقوا من نشوة النصر ، ليجدوا أنفسهم أمام معضلة ، لم يكونوا مهيأين لمعالجتها كما ينبغي ، إذ لم يتهيأ لهم في ماضيهم من الخبرة ، ما يمكن أن يقولوا عليه في ذلك، وبين أن سنن المجتمع القبلي البدائي ، لم تكن تفي بالغرض . وكذلك شرائع المجتمع الاسلامي الجديد، فإنها لم تكن قابلة التطبيق ، ذلك أن الأمم المغلوبة ، لم تكن قد اعتنقت الاسلام.
العرب المسلمون في البلاد المحتّلة
شكل المسلمون في البلاد المحتلة ، طبقة أستقراطية دينية عسكرية حاكمة ، ذات هدف مالي واضح، وامتنعوا عن مخالطة المواطنين ، فلم يقتنوا المزارع ، و لم يعملوا في الأرض. أما الشعوب المغلوبة ، فقد جعلوا في وضع خاص – عرفوا فيه ( أهل الذمة ) وقد قصد بذلك ( أهل الكتاب ) أي اليهود والنصارى وصابئة العراق ، وقد ترتب عليهم بحكم هذا الوضع أن يؤدوا ضريبة الأرض ( الخراج) وضريبة الدخل (الجزية) .
يتبع
