مصر في مواجهة أهل الكهف

“الشعب قطع النور”.

كانت هي العبارة التي سادت الفيسبوك بعد الهزيمة المدوية التي نالها ذلك الحزب الديني السلفي علي يد الشعب المصري في إنتخابات مجلس الشعب الأخيرة.

لقد كشف المصريون حقيقة المتلاعبين بالدين ومدي نفاقهم وخلطهم غير المبرر وغير الدستوري للدين والسياسة، هذا الخلط الذي ينم عن شهوة تاريخية لتيار التشدد الديني في الإستيلاء علي السلطة في مصر تحت غطاء التدين والتقوي والشرع، وتأتي هزيمة السلفيين في صناديق الإنتخاب ،في مثل تلك التي وصفها أحد شيوخهم عندما نجحوا نجاحا كبيرا عام 2011 بعد الثورة ب”غزوة الصناديق”، وكان هذا قبل أن تفضحهم سلوكياتهم البدائية وأفكارهم الكهفية داخل مجلس الشعب، والآن تنقلب غزوتهم عليهم، فقد أفاق المصريون علي مدي رجعية هذا التيار بأكمله، من اخوان إلي سلفيين إلي كافة الجماعات الدينية التي تتأرجح بينهما، فطردهم من الساحة السياسية رافضاً رؤيتهم الدينية المتطرفة الدخيلة علي الطبيعة المصرية الطيبة التي تكره التطرف والشطط، تلك الطبيعة التي كانت قبل سطوة الإخوان والسلفيين بفكرهم الكاره المكفر للأخر تعبر عن نفسها علي لسان رجل الشارع في مدن مصر وقراها بعبارة “موسي نبي وعيسي نبي ومحمد نبي وكل إلي له نبي يصلي عليه”.

ورغم أن المسيحيين لا يؤمنون بأن السيد المسيح نبي، إلا أن أقباط مصر لم يعترضوا علي هذه العبارة التي كان يطلقها الكثيرون من البسطاء في الشوارع لأنهم فهموا القصد المتسامح الجميل منها، وأدركوا أن العبارة تكشف تلك الرغبة المصرية الأصيلة في التعايش مع الأخر وقبوله في وسطهم، وهكذا كنا نجد البقال اليوناني مثلا لديه محل بقالة في وسط أحد الأحياء الشعبية فيعامله الناس كلهم كأنه واحد منهم في تقبل مدهش لم تكن تعرفه الكثير من المجتمعات في أوروبا وأمريكا، التي كان المهاجرون الجدد حتي الخمسينات من القرن الماضي يعاملون بأقسي أنواع الرفض والإهانة من المهاجرين السابقين عليهم من جنسيات أخري.

قام تيار التطرف الديني من اخوان ثم سلفيين بنشر ثقافة مغايرة تماما في مصر، فراحوا يدعون إلي كراهية وتكفير المسيحيين، فكانت اللعنات تصب عليهم علناً من مكبرات الصوت المنطلقة من الجوامع في صلاة الجمعة، فيسمع الأقباط السائرون في الطرق لعنات اخوتهم المسلمين عليهم وعلي اولادهم ونسائهم تأتيهم من شركاء الوطن، بينما الدولة في عهد السادات ثم مبارك تغلق عينيها وأذنيها متظاهرة أنها لا تري ولا تسمع.

هذا الإرث البائس من الفكر والسلوك الهمجي الإجرامي والذي ساد في مصر لأكثر من ثلث قرن تخللته جرائم عنف ضد الأقباط لا حصر لها هو إرث يتحمل مسؤوليته  نظام السادات ثم مبارك، وقبلهما وبعدهما هذا التيار الكهفي الظلامي الذي نري آخر تجلياته في جحافل الدواعش التي تعيث فساداً وهمجية في العراق وسوريا اليوم، وكان يمكن أن يتحول الإخوان والسلفيون في غمضة عين إلي دواعش هم أيضاً فلهم نفس الفكر ونفس الرؤية لولا يقظة الشعب المصري الذي خرج لطردهم من كراسي السلطة في ثورة 30 يونية، ووقوف الجيش المصري مع الشعب في تلك الثورة، محافظين علي الدولة المصرية من هذه القدم الهمجية.

ولكن ستظل هذه القدم الهمجية موجودة بين قلة من المصريين الذين تشبعوا بفكرها وسلوكياتها، حتي مع نجاح المعركة الأمنية ضد الإخوان ونجاح المعركة الانتخابية ضد السلفيين، ولذلك فلا بد من مواصلة حملات فضح فكر هذه الجماعات، وقد رأينا قبل الإنتخابات بأيام قليلا كيف شن التيار السلفي حملة مسعورة ضد وزير الثقافة الجديد حملي النمنم لأنه قال أن مصر مجتمع علماني بالفطرة، وهو ربما كان يتمثل في ذاكرته تلك العبارة الجميلة التي أشرت إليها في مطلع هذا المقال.. “كل اللي ليه نبي يصلي عليه”، فراح أتباع التيار الديني يتبعون معه أسلابيهم القديمة ولكن الفعالة في التكفير همساً ثم علناً ثم التحريض ضد الرجل حتي يقوم أحد غوغائهم بالإعتداء عليه، ولكن المثقفين هذه المرة تضامنوا مع وزيرهم ضد التيار الظلامي.

القضية ليست خلافاً بين حلمي النمنم والسلفيين، القضية خلافٌ بين الرؤية المصر-حضارية والرؤية السلفية، فالحضارة الإنسانية، ومصر فجرها وأمها التاريخية، هي بالضرور مسيرة للأمام،

لا توجد تعليقات