مدينة انطاكيا .. ملكة الشرق والعاصمة المنسية (3) "كانت أنطاكيا ثالث مدينة فى الامبراطورية الرومانية، بعد روما والأسكندرية" *د.فيليب حتي

wall2 ازدهرت مدينة أنطاكيا في عهد الفرنج، وكانت عاصمة لامارة أنطاكيا اللاتينية، التي كانت واحدة من أربع إمارات، أسسها الفرنج في بلاد الشام، الى جانب إمارات الرها وطرابلس والقدس. وصارت أنطاكيا في عهد الفرنج، قطعة من أوروبا في الشرق. وقد بقيت بيدهم، كأفضل مكان في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. حين سقطت بيد الملك المماليك بيبرس البندقداري في عام (1286) وهو الذي عمد الى تخريب المدينة تخريباً هائلاً. وعمد الى بيع مائة ألف من سكانها السوريين المسيحيين في أسواق العبيد (انظر د.فيليب حتي – تاريخ سوريا جـ 2) ولم تعد أنطاكيا مدينة رئيسية مرة أخرى. ولم تعد الى سابق عهدها، وتحول مركز الثقل الى جانب جارتها الاسكندرون Alexandtta. وكانت أنطاكيا قد وقعت بيد المغول Mangols لفترة قصيرة عام (1260) ثم استعادها المماليك، الذين كانوا يحكمون مصر وبلاد الشام.
وفي عام (1516) احتل السلطان سليم الثاني العثماني، الملقب بـ: (ياووظ) مدينة أنطاكيا، وضمها مع سوريا ومصر الى املاك الدولة العثمانية، وبقيت تحت سيطرة العثمانيين، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.
وبعد معاهدة مونترو Montreux في عام (1918) إثر انتهاء الحرب العلمية الأولى. آلت إدارة مدينة أنطاكيا الى الفرنسيين. وفي اليوم الخامس من شهر تموز (يوليو) من عام (1938) وبعد سنوات من المقاومة البطولية للسكان السوريين. دخل الجيش التركي لواء اسكندرون، وبعد أحد عشر شهراً، وبنتيجة أنتخابات مزورة، قام بها الأتراك، تم التحاق لواء اسكندرون، وحاضرته أنطاكيا بالجمهورية التركية في (23) تموز-يوليو من عام (1939).

أسوار أنطاكيا The Siege of Antioch
كانت أسوار مدينة أنطاكيا، التي تحدت الزمن، تقوم على أربع تلال، وكان عرض جدرانها يبلغ المترين أحياناً. أما طول سورها الضخم، فقد زاد عن (12) كيلومتراً، يحتوي على عدد كبير من الأبراج (360) برجاً، التي كان كل منها يتألف من ثلاثة طوابق، تصلح جميعها للدفاع، يطوف عليها (4000) حارس، وقد فتحت في السور إبان القرن الحادي عشر، أعداد كبيرة من الأبواب الخفية واربعة أبواب كبرى هي:
1/ باب القديس بولس في الشمال، وقد هدمه زلزال عام (1832) ومنه كان يخرج المسافرون إلى مدينة حلب.
2/ باب الزيتون أو باب سان جورج St.Gearge الرئيس في الجنوب الذي يقود الى طريق دفنه Daphne ضاحية أنطاكيا، التي تبعد عنها قرابة خمسة أميال جنوباً، بميلة نحو الغرب، والمسماة اليوم (الحربيات).
3/ باب الجنينة، أو باب الواجهة الشمالية.
4/ باب البحر قرب الجسر المؤدي الى مدينة السويدية (سلوقيا). هذا.. ولم تكن الأسوار تضم مدينة أنطاكيا وحدائقها فحسب. بل كانت تضم أيضاً مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، التي كانت تمون المدينة خلال فترات الحصار الطويلة. وكان السور يطوف بجبل (سلبيوس Silpius) المطل على أنطاكيا، والذي كانت تقوم على قمته قلعة بيزنطية.
ويلاحظ فى جميع هذه التحصينات، الطراز البيزنطي الذي يعتمد على الجدران المنيعة، والأبراج المستطيلة القوية قليلة البروز. التي تتصل داخلياً بالسور نفسه، وكان يحمي السور في الغالب، خندق واسع أو نهر طبيعي أو كلاهما. وقد حدد المؤرخ (بروكوبيوس) عرض الخندق خارج السور، بما لايقل عن 56 قدماً (حوالي 18 متراً وكانت هذه الأسوار تعتمد على الدفاع البشري، أكثر من قوتها ومناعتها، وذلك بعكس الحصون التي بناها الفرنج، والتي كانت تعتمد بالدرجة الأولى على مناعة الأسوار، تعتمد في قسم كبير منها على المنحدر الشديد، الذي يبنى عليه السور، وصعوبة تسلقه الى درجة كبيرة. ولم يحدث أبداً أن أخترقت أسوار أنطاكيا المنيعة بالقوة المباشرة، بل إن اختراقها كان يتم إما بالخيانة، أو بالمفاجأة الصاعقة.
الزلزال والكوارث
كانت أنطاكيا مدينة تتناوب فيها الزلازل، فتخرب ماتبقيه غائلات الحروب وبالعكس. وقد بلغ عدد الزلازل الكبرى، التي ضربت مدينة أنطاكيا إحدى عشرة زلزلة، اورثتها الخراب والدمار..
تعرضت أنطاكيا لزلزال عنيف عام (115م) وقد بلغ من اهتزاز جبل (سلبيوس) أن بدت قمته، وكأنها تنحني وتنفصل عنه، وتقع على المدينة ذاتها. كما أصيبت المدينة بزلزال قوي في عام (447م) وتكرر لك في عامي (458م) و (494م) وزادت هذه الزلازل عنفاً وشدة أيام الأمبراطور البيزنطي جوستيان في عامي (525م) و (528م).
أما الكوارث الأخرى التي حلت بالمدينة، فقد جاءت على يد الفرس عندما احتلها الملك الفارسي (شابور الأول) عام (260م) وأشعل النار فيها، وذبح العديد من سكانها. وفي عام (540م) قام الملك الفارسي (خسرو) بالاستيلاء على المدينة، التي أمر بنهبها وهدمها، فلم يبق فيها حجر على حجر. الا أن الامبراطور جوستيان، أعاد بناءها بعد ذلك بشكل جميل، ختى أصبح قصرها الملكي، أعجوبة بفنه وجمال بنائه. كما اشتهرت حماماتها العامة بفخامتها. وكان الأباطرة في القرن السادس يقضون فيها سنوياً، نفس المدة التي كانوا يقضونها في عاصمتهم القسطنطينية.
وفي سنة (612م) احتلها الفرس مرة أخرى، فاستعادها الامبراطور البيزنطي (هرقل) ومن الجدير بالذكر هنا، أن الحروب والهجمات المتكررة والمتبادلة بين الروم والفرس، قد أضعفت كلا الطرفين، مما سهل على العرب المسلمين، غرو سوريا وبلاد الرافدين، واحتلال أنطاكيا في عام (637م) وفي عام (969م) عاد إليها البيزنطيون، حيث بقيت بأيديهم حتى عام (1084م) حيت أستطاع (سليمان قطلمش) ابن عم (ملك شاه) السلجوقي احتلالها مرة أخرى.. وهكذا كانت مدينة أنطاكيا تنتقل من يد الى يد، ومن دمار الى دمار وقد صدق فيها قول الشاعر:
“وإذا نظرت إلى بلاد وجدتها.. تشقى كما تشقى العباد وتسعد”

آثار أنطاكيا
لم يبق حالياً من المدينة الأصلية، بعد الكوارث الهائلة التي ألمت بها الا القليل، الذي يشهد على عظمتها في العصور السالفة، وهي التي اشتهرت بكنائسها الكبرى وأبنيتها الفخمة، ومسارحها وحماماتها العامة، وطرقها المعبدة بحجارة الغرانيت والأروقة المعمدة، والأعمدة الرخامية. وقد كانت الفوانيس تضئ شوارعها في الليل.. وقد أطلق احد المؤرخين على أنطاكيا اسم (حمامة الشرق الرائعة).
وأهم مايلفت النظر اليوم، وهو بقايا سورها الضخم الذي يمتد من جانبها الغربي صاعداً الى قمة جبل سلبيوس المشرف على المدينة، ثن ينعطف نحو الشرق، ويمتد مسافة ثم ينحدر الى واد يدعى باب الحديد، حيث توجد هناك قناطر هائلة جداً في علوها وعظمتها وحسن تحكيمها على نهر العاصي.

لا توجد تعليقات