ليالي الميلاد الحزينة

الإنسانية تاج الدين ومن ضل عن إنسانيته ضل عن الله
ما حدث في الكنيسة البطرسيه من مجزرة أدت لاستشهاد 25 مصلياً لله وإصابة 42 آخرين، حادثاً لن يكون الأول ولن يكون الأخير!، ورغم الحزن الإنساني الذي يحتوينا وتعازينا لكل أهالي الشهداء الذين قضوا في هذه المجزرة الملعونة إلا أننا نمتلئ بحزن أعظم منه لكوننا على يقين بأن مثل هذه الحوادث سوف تتكرر مادام الوعي المصري ( الديني ) المعاصر أصبح في الحضيض وأصبحت الحرب على الإرهاب في مصر هذه الأيام هي حرب ضد الإرهابيين وليست حرباً ضد فكرة الإرهاب نفسه، بل أننا نرى بأم أعيننا اليوم حبس دعاة التجديد كإسلام بحيرى وإطلاق سراح دعاة الفتنة بالقانون !
لم تدفع جماعة وطنية في العالم ثمناً فادحاً لوطنيتها وانتمائها للأرض من دمائها مثلما دفعت وتدفع الجماعة المصرية القبطية، المسألة ليست معاصرة، أي أن اضطهاد الأقباط ليس وليد الآن، ليس وليد سياسات معاصرة، وإنما اضطهاد الأقباط – ودعونا نكون صرحاء – هو اضطهاد قديم قاسي عنصري قام منذ بدايته عبر أكثر من ألف سنة على أساس ديني ثم تطورت أساليبه لتشمل المناحي السياسية والاجتماعية، ويبدو أن هناك خلل ما في العقلية العربية التي تظن أنها وحدها من تمتلك الحقيقة، ووحدها من تمتلك الدين وربما يذكرنا التاريخ بمدى المهازل العنصرية والاضطهاد الديني والمجازر الدموية التي حدثت بين المسلمين أنفسهم أتباع المذاهب المختلفة وبعضهم البعض بسبب الظن عند صاحب كل مذهب بأنه وحده الذي يمتلك الحق وسبل الجنة ومعرفة الله وغيره كافر نجس يستحق قطع رأسه بالسيف، ربما يذكرنا التاريخ بتلك المقتلة العظيمة التي حدثت بين الحنابلة والشافعية في بغداد سنة (469هـ )، وحيث حاول الوزير نظام الملك التوصل إلى حل للمشكلة ودفع الصراع وحقن الدماء، فجمع بين ابن القشيري (شيخ الشافعية) وأصحابه وبين أبي جعفر الشريف (شيخ الحنابلة) في مجلسه، وطلب منهما أن يتصالحا، فقال له القشيري: (أي صلح يكون بيننا؟ إنما الصلح بين مختصمين على ولاية، أو دَين، أو تنازع في ملك. فأما هؤلاء القوم: فيزعمون إنا كفار، ونحن نزعم أن مَن لا يعتقد فيما نعتقد كان كافراً، فأي صلح يكون بيننا. وفي سنة (555هـ) أدى التعصب المذهبي بين الحنفية من جهة والشافعية والشيعة من جهة أخرى في نيسابور إلى قتل خلق عظيم، ومنهم علماء وفقهاء، وحرق الأسواق والمدارس والبيوت. ثم وقعت فتنة أخرى مشابهة في نيسابور بين الشافعية والحنابلة، اضطرت فيها السلطة للتدخل بالقوة وفض النزاع، وحدث الأمر ذاته في أصفهان وبغداد. وكانت نهاية سفك الدماء وهتك الأستار واشتداد الخطب ـ كما يقول ابن الأثير ـ ان خرّب الشافعيون كل ما بقي للأحناف في نيسابور. كما كانت أصفهان مسرحاً دائماً للصراع بين الشافعية والحنفية قبل مجيء الدولة الصفرية. ويذكر المؤرخون أن الحنابلة قتلوا بالسم الفقيه أبا منصور الشافعي سنة (657هـ) في بغداد. ومن جانب آخر، كانت حرب الفتاوى تهيئ الأرضية الشرعية للاقتتال، فمن الفتاوى المثيرة في هذا الصدد فتوى الشيخ بان حاتم الحنبلي، التي يقول فيها: (مَن لم يكن حنبلياً فليس بمسلم !). وهناك فتوى أخرى معاكسة، فحين اجتمعت المذاهب في دمشق على الحنابلة تستنكر آراء الشيخ ابن تيمية الحنبلي، أفتى العلماء بارتدادهم وكُفّر ابن تيمية، ونادي المنادي: (مَن كان على دين ابن تيمية حلّ ماله ودمه. في حين يقول الشيخ محمد بن موسى الحنفي، قاضي دمشق (ت: 506هـ): لو كان لي من الأمر شيء لأخذت على الشافعية الجزية). بينما فكر أبو حامد الطوسي (ت: 67هـ) أن يضع الجزية على الحنابلة ! فأي وعي هذا الذي يجلس على كرسي عرش الله ويصبح رباً يطاول الله ذاته في الكبرياء والجبروت ؟؟.

لا توجد تعليقات