صليب المسيح.. رمز الخلاص والمحبة والسلام "الصليب هو عمل حب الله، غير المنطوق به نحو الانسان، وعلامة اهتمامه العظيم بنا" *القديس يوحنا الذهبي الفم

عندما كانت الأضواء مسلطة على روما سيدة العالم، وعلى العرش المتألق، الذي أقامه أوغسطوس قيصر قبل حين. ومنذ حوالي ألفي عام، ولد ذلك الذي قسم التاريخ الى عصرين.. ولم يكن المؤرخ ليحفل بوجوده، في ولاية نائية من الامبراطورية، وقد جمع بعض الأتباع حوله، وعلم وبشر وشفى. ثم صلب بسبب معتقداته.
وقد ظهر مؤرخ شاب معاصر من مواطنيه، هو يوسيفوس Josephus فخصص له أي لهذا (الرجل الحكيم) و (صانع الأعمال الخارقة) كما قال عنه، نبذة صغيرة، تنتهي بهذه الملاحظة: “وجماعة المسيحيين، التي سميت بالنسبة إليه، ليست منقرضة اليوم”!..
ويشير المؤرخ اللاتيني تاكيتوس Tacitus الى السيد المسيح بصورة عرضية بأنه: “تعرض لعقوبة الموت في عهد طيبريوس Tiberius بموجب حكم الحاكم بيلاطس البنطي Pontius Pilate.
ومع ذلك، فإن الذين كانوا أقرب الى المسيح، في الجليل واليهودية وعرفوه جيداً. أصبحوا مقتنعين بأنه لم يكن شخصاً عادياً، بل “ابن الله” وقد بدلوا طريقة حياتهم حالاً. وكما فعل المسيح، لم يترددوا في بذلها. في سبيل معتقداتهم، واهتم بعضهم في تسجيل تعاليم سيدهم وأعماله، وهكذا وصلتنا الأناجيل، وهي مصدرنا الرئيس عن حياة المسيح.
وقد قدر لهذا الدين الجديد، أن يبقى طويلاً، بعد أن سقطت الامبراطورية الرومانية، التي كانت تبدو راسخة ومستقرة. بعد أن أصبحت في بطون التاريخ. وقد دام هذا الدين أكثر من أية فلسفة وعقيدة أخرى في بلاد اليونان والرومان وغيرها..
وإذا كانت بعض حوادث حياة المسيح وتعاليمه، لهما مايشبهها، في التراث الديني للشرق القديم. فإن الانسان لايستطيع أن يجد في أي مكان آخر، مثل هذه الخلاصة المحكمة، من الأفكار النبيلة، وهذا التأكيد على المثل السامية!..

رسالة المسيح
كان اساس الرسالة الجديدة “المحبة” محبة الله ومحبة الانسان. والمحبة الواحدة تفترض الأخرى، والله نفسه محبة. وبالمحبة جعل المسيحيون الانسانية عائلة واحدة، تحت أبوة واحدة. وقد كان المسيحيون السوريون، أول من أعطى العالم نظرة عالمية فعالة، ومجتمعهم لم يكن له طموح دنيوي. وكانت الديانة الجديدة، في جميع تعاليمها، تؤكد على واجب تكريس الانسان نفسه لله، بصورة لاتعرف الأنانية، وعلى خدمة الانسان، وعلى الروحانية الداخلية، عوضاً عن المبالغة في الطقوس، المظاهر الخارجية.
ولم تعلم أية عقيدة سابقة. أن هناك إلهاً فادياً، يهتم بكل أفراد الجنس البشري. ولم توجد أية رسالة تمثل ذلك الارتباط بين الدين والأخلاق. وتخصص مثل ذلك الاهتمام للحياة الثانية، كما فعلت المسيحية، التي قرنت الحياة الاخلاقية بالدين بصورة وثيقة.
وقد شق هذا الدين طريقه ببطء، ولكن بصورة أكيدة، الى مرتبة التفوق الروحي. وقد كان الأدب المسيحي دائماً هو التعبير الأساسي عن أعلى مثل العالم المتمدن.

الرموز المسيحية المقدسة
بعد موت المسيح على الصليب، وقيامته وصعوده الى السماء. اتخذ المسيحيون شعارات متنوعة لهم. أضفوا عليها هالة من القداسة منها (السفينة) رمز النجاة و (الطاووس) رمز الجنة و (السمكة) واسمها باليونانية (اختوس ΙΧΘΥΣ) وهذه الكلمة هي بنفس الوقت، أول خمسة احرف لخمس كلمات باليونانية هي (يسوع المسيح ابن الله المخلص) وهي مذكورة في الأنجيل 27 مرة. وقد استخدمها المسيحيون، كشعار سري فيما بينهم لتمييزهم عن الوثنيين. ثم (الصليب) رمز الفداء والخلاص، استناداً الى ماورد في (الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس 18:1) إضافة الى (الرسالة الى أهل غلاطية 1:3) وقد وردت كلمة (صليب) في العهد الجديد (الانجيل) 28 مرة، في حين ورد فعل الصلب 46 مرة، كما يعتبر رمز (الألف والياء a-Ω) باليونانية من الرموز المسيحية المقدسة، استناداً الى ماورد في سفر (رؤيا يوحنا 2: 8) وكذلك النجمة المثمنة…

الصليب فى عهد قسطنطين
تروى كتب التاريخ أن الامبراطور قسطنطين الكبير The Great Constantine شاهد في السماء اثناء زحفه على روما، في خريف عام 312 صليباً متألقاً في السماء، عليه كتابه يونانيه، بأحرف من نور تقول: “بهذه تنتصر” والذي نعلمه بالتأكيد هو أن قسطنطين استخدم اللواء الكبير، وعليه إشارة الصليب Labarum كعلم امبراطوري، وبواسطته تقدم نحو النصر، على منافسة ماكسنتيوس Maxentius ومنذ ذلك الحين، صارت راية الصليب، الراية الرسمية للامبراطورية الرومانية، والرمز الذي يحمله جيشها دفاعاً عنها. وقد كان عهد الامبراطور قسطنطين، من أبرز العهود في تاريخ أوروبا. وصارت عاصمته القسطنطينية، أعظم مدينة في العالم!.. وكنيستها هي أم الكنائس.

سوريا في العهد البيزنطي
تبدو سوريا في العصر البيزنطي، بمظهر يختلف عن مظهرها في العصر الروماني، فقد أصبحت الآن بلاداً مسيحية تماماً. كما كان هذا العصر عصراً فريداً في تاريخها!..
ولم تكن البلاد مسيحية فحسب، بل كان العصر تسيطر عليه الصفة الدينية، فقد كانت الكنيسة أعظم مؤسساته ،وكانت أبنية الكنائس وأماكن الصلاة Chapels والأديرة، تنتشر في البلاد، وجميعها تتبع أسلوباً جديداً في الهندسة، يظهر فيها الباب، وأبراج الأجراس والصلبان البارزة. كما نشطت زيارة الأماكن المقدسة. وتعتبر البقايا المعمارية. والآثار الدينية البيزنطية، الموجودة اليوم، أكثر عدداً من آثار جميع العصور مجتمعة (د.فيليب حتي: تاريخ سوريا جـ2 ص 403).

الاحتلال العربي
في عام 634 والاعوام التالية، تحتل جحافل العرب، القادمة من صحارى شبه الجزيرة العربية بلاد المشرق، التي كان يحكمها الروم. وينتزعون من الدولة البيزنطية أفضل أقاليمها، سوريا الطبيعية ومصر. ويخبرنا المؤرخ (الواقدي) في أول وثيقة تؤرخ لذلك الحدث، أن العرب المسلمين كانوا في مشروعهم . لاختلال بلدان المشرق المسيحية يواجهون في كل مكان جيشاً تتقدمه الصلبان.. وهكذا يصف حصار العرب لدمشق وحمص وطرابلس، وبعلبك وحلب وأنطاكية و اللاذقية وغيرها!..
ويقول (الواقدي) على سبيل المثال: “أن خالد بن الوليد، عندما قرر احتلال دمشق، تحصن أهلها بها، ورفعوا الأعلام والصلبان..” (فتوح الشام ص 39) وعندما يتحدث عن معركة اليرموك الشهرة (636) بين الروم والعرب يقول: “أقبلت علينا عساكر الروم بالرايات والصلبان (د.أسد رستم: الروم جـ1 ص 35).
ويقول المؤرخ (ابن كثير) عن هذه المعركة : “إن الروم أقبلت رافعة صلبانها، ولها أصوات كالرعد..” (ابن كثير: البداية والنهاية).

المسيحيون في ظل الاحتلال العربي
بعدما احتل العرب المشرق، منعوا المسيحين من حمل السلاح، ومن رفع صلبانهم . وذلك بموجب (العهدة العمرية) التي يدل نصها بشكل صريح على ان: “المسيحيين الذين بقوا تحت حكم المسلمين، يمنعون من حمل السلاح، ومن رفع الصلبان” وذلك بشكل عهد، وقعه المسيحيون تحت الضغط وفيه عبارات واضحة: “ولانتقلد السيوف، ولانتخذ شيئاً من السلاح، ولانحمله معنا، ولانظهر صلباننا، ولانضرب نواقيسنا في كنائسنا الا ضرباً خفيفاً” (د. أسد رستم: كنيسة أنطاكية جـ2 ص 37 نقلاً عن سراج الملوك للطرشوشي ص 283).

الصليب عند الروم
ظلت جيوش الروم، في البلاد التي بقيت حرة، يرفعون الصليب، والقائد البيزنطي نيكيفوروس فوكاس، عندما حرر المشرق من جديد عام (966) كان جنوده، يرفعون راية الصليب.
أما في القرنين العاشر والحادي عشر فكنت: “إذا قصدت القصر الملكي في القسطنطينية عاصمة الروم. تقرأ على جدران بعض البنايات العمومية عبارة (المسيح الملك) وإذا رأيت جنوداً سمعتهم يهتفون وهم يحملون الصليب (المسيح المنتصر) كما كان هناك القصر عرشان، أحدهما عليه الانجيل وهو عرش (المسيح الملك) والثانى للملك”..

لا توجد تعليقات