سوريا.. الأرض والشعب وأصول التسمية (1) "السياسة هي بنت التاريخ، والتاريخ هو ابن الجغرافيا، والجغرافيا ثابته" *نابليون Napoleon

في الأزمات والثورات، والمنعطفات التاريخية الكبرى، التي تمر بها الأمم ولشعوب، يستيقظ التاريخ في داخل الانسان، ويدفعه الى التفكير والعمل، ومعرفة الذات..
يقصد بـ: (سوريا Syria) الاصطلاح العام، الذي استخدمه اليونانيون للدلالة على المساحة الواقعة بين جبال طوروس شمالاً، والصحراء العربية جنوباً، ونهر الفرات شرقاً، والبحر المتوسط غرباً. أي القسم الغربي من (الهلال الخصيب The Fertile Crescent) أو مابات يعرف اليوم باسم (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) وذلك كما حددها هيرودوت Herodotus في آواخر القرن الخامس قبل الميلاد.

أرض سوريا
سوريا بمدلولها الواسع هي وحدة لاسبيل الى إنكارها، بين الشعوب التي كانت تحف بها من البر ومن البحر. ومن المستحسن دوماً معالجة تاريخ سوريا بمعناه الواسع، وهو اصطلاح موفق أخذ به الجغرافيون ، على أنه موضوع واحد، دون أية حدود صناعية، غير أن الحدود بين هذا القسم من الهلال الخصيب، وبين قسمه الشرقي (بلاد الرافدين Mesopotamia) كانت دائماً حدوداً مائعة، وغير ثابته، تقوم أو تتبدل أو تزول، بتبدل الأزمنة والدول، حيث تشكل سوريا الأمتداد الطبيعي والمنطقي لبلاد الرافدين.
وتتوسط القمسين (الباديه السورية Syrian Stepps) التي كانت ولاتزال معبراً للقوافل، وصلة وصل بين سوريا وبلاد الرافدين. لذلك لايمكن اعتبارها حدوداً طبيعية.. ويكفي أن نعرف أن اسم (سوريا) قد ورد فى أقدم الخرائط العالمية، والمدونات الجغرافية عند (سترابون Strabo 63 ق.م – 23م) و(بطليموس Ptalemy 90-168م) بل أقدم من ذلك، وهو يعتبر بحق أقدم اسم دولة، مازالت قائمة الى الآن.
وتعتبر كتابات كل من هيرودوت وكسينوفون Xenophon التي وصلتنا بدقة، من أقدم المؤلفات التي سطرت مشاهد حية عن سوريا في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد.
ويقدم وليام الصوري william of Tyre (القرن 12م) وصفاً محكماً لعدد من المدن السورية. ويعتبر (فارتيما Varthema) الرحالة الايطالي الشهير، الذي كتب عن سوريا، وعدد من مدنها، بالمفهوم المعاصر لأدب الرحلات وتتابعت بعد هذه الرحلة، رحلات غربية عديدة، لم تنقطع أبداً، تصاعدت وتيرتها باستمرار. وما رحلات (دارفيو D’Arviex) و (نيبور Niebuhr) و (فولني Volney) و (موندريل Mundrell) وغيرهم، الا أمثلة واقعية على ذلك..
زقد كتب علماء الآثار والرحالون والجغرافيون والمؤرخون عن سوريا آلاف المجلدات، ومئات آلاف الأبحاث والمقالات والدراسات، وكان لاكتشاف المدن التاريخية الهامة في سوريا مثل (ماري Mari)، (أوغاريت Ougarit) و (إيبلا Ebla) وغيرها أكبر الأثر في تعريف العالم بحضارة سوريا عبر العصور. وتحتل سوريا مكانة مرموقة في تاريخ العالم. وقد كان فضلها على رقي البشرية، من الناحيتين الفكرية والروحية أجل شأناً من أي بلد آخر..

لمحة عن جغرافية سوريا التاريخية
من المعروف أن سوريا تتألف جغرافياً من ثلاث مناطق ي:
1/ الساحل الكنعاني (الفينيقي) الخصيب. الذي يمتد على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، بطول يقارب الألف كيلومتر.
2/ السلسة الجبلية، التي تسير بمحاذاة هذا الساحل، والتي تبدأ من أعالي جبال طوروس في الشمال، الى جنوبي صحراء سيناء.. وتقع بين قسمي هذه السلسلة الغربي والشرقي، عدة سهول خصيبة هي سهل العمق، سهل الغاب وسهل البقاع، تجري فيها عدة أنهار، أهمها نهر العاصي ونهر الليطاني.
3/ المنطقة السهلية الخصبة في الشمال، والتي تتحول الى بادية، كلما توغلنا نحو الجنوب، وصولاً الى الصحراء العربية.
ومثل هذا التقسيم نجده في التاريخ الوصفي لدى سترابون Strabo الواقعة في سيناء وهو يعتبر أن سوريا تمتد من جبال الأمانوس في الشمال حتى مدينة العريش. ويرى أبيان Appian (95- 165م) انطلاقاً من النظرة الشائعة في عصره، انه من الممكن تحديد المناطق التالية:
1/ الشاطئ الكنعاني (الفينيقي)
2/ سوريا الوادي
3/ بادية تدمر Palmyra
ومن الواضح أن الاختلاف بين ما أورده سترابون، وما أورده أبيان ليس جوهرياً. وبشكل عام فإن هذا التقسيم، ينطبق مع بعض التعديلات، على الظروف الطبيعية، والوضع السياسي، الذي كان قائماً في سوريا، في القرن الأول، الى القرن الثالث للميلاد ضمناً.
ويسمى هيرودوت الذي زار سوريا حوالي عام (425ق.م) مقاطعة كبادوكيا Cappadocia في جنوب بلاد الأناضول (بلاد السريان) ويعتبر أهلها (سوريين) (الكتاب الأول فقرة 6) وهو يذكر في مكان آخر من تاريخه أن الأغريق يسمون أهل كبادوكيا (سوريين) (الكتاب الثاني فقرة 73).
وتمتد سوريا التاريخية القديمة، على مساحة تزيد على مليون كيلومتر مربع، وكانت لها حدود مشتركة قديماً مع إيران في الشرق، وأرمينيا فى الشمال، والمدن اليونانية في غرب الأناضول، ثم مع شبه جزيرة العرب في الجنوب، وفي العصر الحديث، ظهر الاهتمام الباكر بتاريخ سوريا وجغرافيتها من قبل رواد النهضة والتنوير العربي، التي ظهرت في القرن التاسع عشر في بلاد الشام. وهو أمر واضح، من خلال عناوين الأبحاث، التي كان يعدها أعضاء الجمعية السورية (1847) والجمعية المشرقية، وسائر الجمعيات الآخرى الثقافية والسياسية في تلك الأعوام. وإن الهوية السورية، التي أجمع عليها رواد النهضة، قام بناؤها على أساس أن نعرف (ماذا يجب أن نفعل؟..) يجب معرفة (من نحن؟..).

الشعب السوري
الإستيطان البشري في سوريا قديم، قدم البشرية نفسها، وقد أظهرت التنقيبات الأثرية، وجود لقى أثرية، تدل على الاستيطان البشري، تعود إلى أكثر من مليون سنة (التنقيبات الأثرية التي قام بها د.سلطان محيسن في موقع ستمرخو قرب اللاذقية، والمساهمات الفرنسية في دراسة الآثار السورية) وينتمي الشعب السوري في اصوله التاريخية، الى الشعوب القديمة التي استوطنت سوريا وبلاد الرافدين وهي: السومريون، الأكاديون، الآموريون، البابليون، الكلدانيون، الآشوريون، الآراميون، والكنعانيون وغيرهم كالميتانيين والحثيين.

الكنعانيون (الفينيقيون)
تحدث شاعر اليونان الأكبر هوميروس Homer (القرن 8 ق.م) عن الكنعانيين، وكشف عن خصائصهم البحرية والتجارية، ووصف السوريين بأنهم (شعب الآلهة) وأن أرضهم هي (أرض الآلهة) .وكان الكنعانيون أول أمة بحرية في العالم.
ويؤكد الكاتب الفينيقي فيلون الجبيلي Philo of Byblos (64- 141م) أن الفينيقيين أصيلون في موطنهم وأرضهم، وأنه ليس الناس وحدهم، بل الآلهة وكل الثقافة الانسانية. إنما مصدرها بلادهم..
ويعين هيرودوت موطن الكنعانيين (الفينيقيين) الأصلي على الساحل الأرتيري. أما سترابون، فيذهب الى أنه، على مدخل خليج البصرة معابد ومدائن شبيهة بالمعابد والمدائن الفينيقية، ويثني العالم اللاتيني بليني Pliny (23 – 79م) على كلامه.
ويعتقد بعض المؤرخين أن الفينيقيين بعد أن أجلتهم الزلازل عن موطنهم الأصلي حطوا رحالهم أول الأمر عند البحيرة السورية (لعلها بحيرة طبريا) ومن بعد على ساحل البحر المتوسط.
ويخصص العالم الفرنسي جورج كونتنو صفحات كثيره لـ (مهد الفينيقيين) وهو لايتردد في إرجاعهم الى الأزمنة التاريخية الأولى. وأن الشعب الفينيقي، قد نتج عن تطور تاريخي في منطقة الساحل السوري، لا عن هجرة شعب جاء من الخارج.
ويشير العالم الأيطالي سبتينو موسكاتي S.Moscati (1922- 1997) الى التنقيبات الأثرية، التي جرت في مدينة أوغاريت، والتي حملت الباحثين على ارجاع الحضارة الفينيقية تالى أبعد كثيراً عن تاريخ نشأتها المتعارف عليه، وهو القرن الخامس عشر قبل الميلاد (سبتينو موسكاتي: الحضارة الفينيقية ص 13 ومابعدها).

الآراميون
عاش الاراميون في سوريا الداخلية، حيث نمت حضارتهم وثقافتهم. وأقاموا عدة ممالك منها مملكة دمشق ومملكة حماه وملكة حلب وغيرها. وينسبهم البعض الى آرام بن سام بن نوح. وقد جاءت كلمة (آرام) في التوراة ، مضافة الى عدة أماكن مثل: آرام النهرين وآرام دمشق وغيرها..

لا توجد تعليقات