دموع البابا تواضروس..

تحجرت الدموع فى عين البابا تواضروس وهو يودع بناته إلى الأبدية، أشار إليهن بالصليب فى يده، وأسرّ لكل منهن بتمتمات تحمل حباً عميقاً فى وداع حزين، ثم أسند رأسه على عصاه لثوانٍ مرت كدهر على قداسته، فى صورة أبوية تعبر عن عظم الفقد الذى أحسه البابا وهو يقف على رأس شعب الكنيسة المحزون، يواسى ويعزى ويطبطب ويلبسم ويترأس القداس الجنائزى المبلل بالدموع.
قلبه يبكى بناته اللاتى خطفهن الإرهاب الأسود فى القداس وهن صائمات، ولكنه تماسك وصلب طوله ووقف بقامته المديدة كعمود الخيمة يزرع فى شعب الكنيسة الأمان، ويفرد عليهم الطمأنينة، ويقويهم، ويوصيهم بالصبر والصلاة والإيمان للمرور من برزخ الأزمة إلى شعاع ضوء يولد فى رحم الغيب، يرونه بعيداً ويراه قريباً.
ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه وقفة البابا تواضروس فى القداس الجنائزى بوقفة البابا شنودة فى قداس ضحايا تفجير كنيسة القديسين، وكأنه قدر ومكتوب أن يشيعوا فلذات القلوب زرافات قبيل أعياد الميلاد، وقبلها مطلوب من البابا أن يكتم حزنه فى قلبه، ويخفى دموعه عن الأعين الفاحصة المتفحصة، وأن يداوى قلباً نازفاً بكلام طيب، ويظهر على العامة جَلِداً واقفاً على قدمين ثابتتين ليشد أزر الشعب ويخرجهم من بحر الحزن الذى احتواهم بأمواجه الثقيلة.
فليتحمل نصيبه من الحزن، وليعينه شعب الكنيسة على حزنه، ويخففوا عنه ولا يثقلوا عليه بمطالبات وصيحات ورجوات، البابا صار رهين المحبسين، حزنه الذى حش وسطه، وواجبه أن يصلب طوله ويقف صلباً يلم شعبه من حوله حتى لا تتخطفهم الطيور الجارحة التى تنقض فى مثل هذه اللحظات الأليمة تروم مغنماً سياسياً مغموساً بالدماء التى سالت فى الكنيسة البطرسية، لهم فيها مآرب أخرى.
البابا ومنذ تنصيبه لم ير يوماً طيباً، ولم يسر قلبه، ولم يرتح فى قلايته، وإذا كان على ألم ظهره المبرح الذى يعل عليه كل لحظة، ويلازمه ليل نهار، يحتمل، ولكن آلام شعب الكنيسة هو ما لا يحتمله البابا، قبل الفاجعة الكبيرة تتالت الفواجع، وتتوالى الأخبار، وتتتابع الحوادث، والشعب القبطى غاضب وينظر إلى البابا، وينتظر إشارته، ولا يتلقى من البابا سوى وصايا بالصبر والصلاة فى قوة روحية كبحت جماحاً، ولجمت تفلتاً، ومنعت تصعيداً، ووقف بين شعبه رباناً هادياً يبحر بسفينته فى لجة موج عاصف حتى لا تشحط فى صخور مسنونة تتربص بالمسيحيين الدوائر.

لا توجد تعليقات