تفجير الكنيسة البطرسية والكرسي البابوي

مؤسف ومُحزن هذا «التفجير الإرهابي» الجبان والخسيس، الذي ضرب الكنيسة البطرسية الملحقة بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية وأسفر عن استشهاد وإصابة العشرات من السيدات العُزّل وأطفالهن، فيما كانوا ماثلين بين أيادي الله يؤدون صلواتهم.. هذا الهجوم الغادر، لا يقوم به إلا كلاب ضالة، مُصابة بالسعار واشتهاء الدماء، فهو يجلل المتورطين والمشتركين فيه أيا كانت أغراضهم الدنيئة أو أسانيدهم الفكرية الفاسدة والبائسة، بـ«العار» يلاحقهم حتى وهم في قبورهم.. فهو يُصيب النفس البشرية السوية، بالمرارة الشديدة، والسخط والكآبة والغضب العارم، إذ كيف لهؤلاء الجناة المتوحشون أن تطاوعهم نفوسهم المريضة بالتجرؤ على دار للعبادة، وتفجيرها، توحشاً وتعطشاً للدماء المُسالة، وشراهةً للتلذذ بصور أشلاء الضحايا الأبرياء الذين لم يرتكبوا ذنباً أو إثما يدفعون بسببه أرواحهم وحياتهم.
لقد نقلت وسائل الإعلام عن المصادر الأمنية، إفادات بأن التفجير تم بواسطة حقيبة تسللت إلى قاعة السيدات، وبها عبوة ناسفة تزن 12 كيلو جراماً، من مادة «تي إن تي» شديدة الانفجار.. وبدت مُفزِعة ومُرِعبة، هي شواهد التدمير على المبنى ومحتوياته التي أظهرتها الصور والفيديوهات المنقولة من داخل الكنيسة، كاشفة عن شدة الانفجار وقوته، فإذا كان هذا هو حال المبنى، فهذا يؤشر بأننا بصدد مذبحة بشعة للضحايا من السيدات والأطفال؟.. ثمة عدد النقاط واجبة التسجيل والانتباه إليها.. شكلياً: نحن بصدد كنيسة ملحقة بـ«الكاتدرائية المرقسية» مباشرة، أي «المقر البابوي» الذي تُدار منه الشؤون المسيحية، ومن البديهي وسط الأجواء الإرهابية التي نعيشها أن يكون المكان كله مستهدفاً، لأسباب متنوعة، من الجماعات الإرهابية الإخوانية والداعشية التي صارت نشطة منذ قيام ثورة 30 يونيو، ومعلوم أن وزارة الداخلية توفر تأميناً معتاداً لكل الكنائس منذ زمن بعيد، ولاشك أن هذا المقر البابوي وملحقاته يحظى بقدر أعلى وأكبر من التأمين.. هنا السؤال: كيف تمّكنَ «الجناة» من تمرير حقيبة المتفجرات بوزنها الثقيل، والمُلفت حتما لنظر أي رجل أمن أو لديه أدنى حِس أمني؟.. لا أعرف إن كانت هناك «بوابة إلكترونية» للكنيسة أم لا؟.. لكن المنطق يقول إن وجودها حتمي لكشف أي محاولة لتمرير أسلحة أو متفجرات، موضوعياً: فهذه الحالة الإرهابية النشطة ترجح استهداف «الكنائس» عموماً، وهذا المقر القبطي المهم جدا.. وراء هذا الاستهداف عدة احتمالات، كلها أو بعضها.. أولها: أن تكون هذه العملية إخوانية بغرض الانتقام لعزل الرئيس محمد مرسي، من «الإخوة المسيحيين» عقاباً لهم على موقفهم المشارك والمساند لثورة 30 يونيو، وتخويفهم وإرهابهم، وإفهامهم عملياً بأن «دولة 30 يونيو» عاجزة عن حمايتهم، بدليل أن عملية إرهابية طالت كنيسة ملحقة بالكاتدرائية، وهاهي المتفجرات وصلت إلى مسافة أمتار معدودة من «كرسي البابا» وبما له من قداسة، فكيف تحميكم وهي غير قادرة على حماية محيط الكرس البابوي ذاته؟.. هي بالتأكيد رسالة سلبية وسيئة ولها آثارها، وحسنا فعل الرئيس عبدالفتاح السيسي بإعلانه الحداد لثلاثة أيام تضامنا مع شركاء الوطن، وإشعاراً لهم بأن مصابهم هو مصاب الجميع.. ثاني الاحتمالات التي تقف وراء مثل هذه الجريمة البشعة، قد تكون إشاعة ضغائن لدى «الأقباط» تدفعهم للغضب من المسلمين، وربما الثأر، سيما وأن لديهم مرارات متراكمة من هجمات وتحرشات سابقة، وبالتالي تصير فتنة ربما يتم تغذيتها بإشاعات وتحريضات، يدعمها أن لدينا «خطاباً سلفياً» دائم الشحن وإثارة الكراهية ضدهم.. هذا الخطاب غير قاصر على جماعات سلفية وجهادية بحسب، بل إن له امتدادات وأسانيد في العديد من المقررات الدراسية بالأزهر الشريف ومدارسه، وهو خطاب يؤسس منذ سنوات طويلة لمشروع فتنة طائفية، حارقة للأخضر واليابس، إن لم يتم التصدي له بحسم وشدة، والكف عن تدليل السلفيين واتباعهم.. أما ثالث الاحتمالات: فقد يكون هدف اقتصادي للإضرار بالدولة، بمعنى ضرب السياحة وإفشال جهود إعادتها، وقطع الطريق على الاستثمار الأجنبي، إذ إن اختيار محيط «المقر البابوي» هدفاً للعملية الغاشمة، وكونه يتوسط العاصمة، لابد وأن يجذب كل وسائل الإعلام بجميع أركان المعمورة، ويثير اهتمام الدوائر السياسية الدولية، وهو ماحدث فعلاً ومن ثم، فإن الرسالة هنا للخارج، بأن مصر تفتقد الأمان، وأنها ميدان للنشاط الإرهابي ولا تصلح للسياحة والاستثمار.

لا توجد تعليقات