الكنعانيون…اول أمة بحرية في التاريخ

pheonicia “ان سوريا لم توصد أبوابها دون الأمم الغريبة ،فقد امتزجت بالغرباء دماً وطباعاً”
*بلايني  Pliny

تمتد سوريا التاريخيه او الطبيعيه علي مساحة تزيد عن مليون كيلو متر مربع … من سلسلة جبال طوروس شمالا الي جنوب سيناء وصحراء العرب جنوبا ، ومن البحر المتوسط غربا ، الي سلسلة جبال زاغروس في الشرق . وقد كانت لها قديما ،حدود مشتركة مع ايران في الشرق . وأرمينيا فس الشمال ، والمدن اليونانية في غرب الاناضول … اما اصطلاح (الهلال الخصيب The Fertile Crescent)فهو اسم عممه المستشرق و المؤرخ الامريكي (جيمس هنري برستد J.H.Brested) علي المنطقة التي بدأت فيها الحضارة ، وتشمل سوريا التاريخية قبل التجزئة ، و المعروفة اليوم بأسم (سوريا و العراق ولبنان و الاردن و فلسطين) ،وما أقتطعته تركيا من سوريا جنوب جبال طوروس .

سكان سوريا القدماء
وردت اخبار سكان سوريا القدماء ،في الكتب الدينيه المقدسة (التوراة و الانجيل ) وفي تفسيرهما وشروحهما .وتحدثت عنهم كتابات الشعوب القديمه ، من آشوريين وكلدان وحثيين ومصريين ،وما كتبه المؤرخون اليونانيون ،ومنهم بشكل خاص هيرودوت Herodotus (القرن 5 ق.م )وثيوفرات (القرن 3ق.م ) وسترابون Strapo (القرن الاول ق.ن ) وما كتبه الكاتب الفينيقي فيلون الجبيلي Philo of Byblus (القرن الاول ق.م ) إضافة الي إشارات المؤرخ يوسيفوس إلي ( حوليات صور ) كما ان المكتشفات الاثريه من نصوص مكتوبة ونقوش و ابنيه ومعابد ولقي اثريه مادية وغيرها . تمدنا بالكثير من المعلومات عن اولئك السكان .

الاستيطان الاول
كانت منطقة الساحل السورى ،مسكونة منذ أقدم العصور ،وتدل علي ذلك اللآثار المكتشفة في الكهوف و التلال الأثرية ،وبقايا المدن الدارسة في مختلف المناطق … وأول وجود مؤكد للأنسان في سوريا ،يعود الي حوالي مليون سنة .وقد وجدت آثار هذا الأنسان ،في موقع (ست مرخو)في حوض النهر الكبير الشمالي ، قريبا من مدينة الآذقية . ومواقع اخري كثيرة علي ضفتي النهر ،بمحاذاة الساحل السوري نفسه ،وهي تقارب الخمسين موقعا . وقد ساعد المناخ المعتدل ،وخصوبة الارض ،وتوفر المياه ،علي نشوء القرى الأولي ،التي تطورت منذ الألف العاشرة قبل الميلاد بوتائر متجانسه ،حيث دخلت في طور الزراعه وتدجين الحيوانات . ورافق ذلك نزوح الانسان من الكهوف إلي البيوت المصنوعه من الطين والخشب والحجارة .وإن اقدم المستوطنات البشرية في التاريخ ،كانت في سوريا ، وهي تعود إلي الألف السادسة والألف الخامسة قبل الميلاد في مدن اوغاريت وجبيل واريحا .
وفي العصور التالية ، تم استخدام الأدوات الحجرية،واكتشاف المعادن ، واختراع الدولاب . ثم استعمال النحاس في الألف الرابعة قبل الميلاد ،ونحو 3000سنة عاصر النحاس ظهور الكنابة واكتشاف الحديد .

اصل التسمية
الكنعانيون شعبا و حضارة ،ما زالوا يثيرون اهتماما كبيرا في الغرب ، منذ ان كشف الشاعر اليوناني القديم هوميروس Homer(القرن 9 ق .م ) عن خصائصهم البحريه و التجارية . ولاسيما وانهم أول أمة بحرية في العالم .وان ابجديات العالم مستمدة منهم ، لذا اصبحوا محط انتباة شديد ،لايقل عن ما منحته شعوب الشرق القديم الأخرى .علي ان هذا الاهتمام لم يرافقة انتباه كاف الي الخصائص المميزة لثقافتهم وللوقائع السياسية و الدينية و الادبية و الفنية ، التي تطبع حضارتهم ،وتحدهابشروطها .و الكنعانيون و الفينيقيون ، تسميتان لشعب واحد .واسم (كنعان) يعني (الارجوان Purple ) وكان الارجوان (اللون الاحمر القاني  ) صباغا ثمينا ،استخرجه الكنعانيون من نوع من الاصداف البحرية يسمي (موركس Murex) وقد اطلق الاغريق علي الكنعانيين اسم (فينيقيين ) وعلي بلادهم اسم (فينيقيا ) بعد ان احتكوا بهم عنصريا وثقافيا وتجاريا ، نحو عام ( 1200 ق.م ) وقد ذكر الشاعر اليوناني القديم هوميروس اسم ( فينيكس Phoenix) كما استعمل الرومان هذا الاسم ايضا للدلاله علي الكنعانيين في سوريا .
وفي انجيل مرقص (26:7) وردت كلمة (فينيقيا ) عند الحديث عن امرأه (فينيقيه سوريه ويسمي انجيل متى (22:5 ) تلك المرأه (امرأة كنعانيه ). وهناك قطعة نقدية ، اكتشفت في بيروت ، تصف المدينه بالغة الكنعانية بأنها في (كنعان) وباللغة اليونانية بأنها في (فينيقيا ) وقد أستخدم العالم الايطالي ( سباتينو موسكاتي ) مصطلح (فينيقي  Phoenician) للدلالة علي الفينيقيين في موطنهم الاصلي ،و( فونيقي Punic) للدلالة علي الفينيقيين خارج موطنهم الاصلي (للتمييز فقط )

اصل الكنعانيين
استوطن الكنعانيون كل الساحل السورى وقسما الداخل ، قسما في جزيرة قبرص التي كان جزيرة ( فينيقية _يونانية ) .
ويعتقد بعض المؤرخين ، أن الكنعانيين ، قد نزحوا من بلاد اليمن الي الشمال .وقد ذكر هيرودوت (القرن 5 ق.م ) انهم جاؤوا من سواحل أريتريا علي البحر الأحمر ، الي سواحل البحر المتوسط . ومن المعروف أن الكنعانيين ، أنتشروا من الجنوب إلي الشمال ، وتشير النصوص المكتشفة في ( أوغاريت Ougarit) والتي تعود الي القرن (14 ق.م ) الي ان الكنعانيين قد نزحوا من شبة جزيرة سيناء أو النقب ،وتوسعوا باتجاه الشمال .وهذا ما يؤكد قول هيرودوت  ايضا ،انهم نزلوا في خليج العقبة قادمين من منطقة البحر الاحمر .
ويرى (استرابون ) و (بلايني ) أن الموطن الأصلي للكنعانيين ،يقع علي ساحل الخليج العربي ، حيث وجدت آثار لمدن ومعابد كنعانية ، ويرى (جوستينوس ) ان الكنعانيين شردوا من وطنهم بسبب هزة ارضية ، واستقروا اولا علي البحر السوري (البحر الميت او بحيرة طبريا ) ثم انتقلوا الي سواحل البحر المتوسط .   وهناك اليوم نظريه حديثة ،ترجح ان هذا الشعب لم يصل مهاجرا من الخارج ، انما تكونت الحضارة الكنعانية ، نتيجة اتحاد اقوام سامية عدة ،كانت تسكن هذة المنطقة .ويؤكد الؤرخ الفينيقي ( فيلون الجبيلي ) علي ان الفينيقيين اصيلون في ارضهم ،ليس فقط الاشخاص ، انما الآلهة ايضا …
ولابد ان نذكر هنا ، أن تنقلات الجماعات البشرية ، وهجراتها القريبة او البعيدة ، امر معروف منذ اقدم الأزمنة .وان نظرية ما يسمي ب : (موجات الهجرات السامية ) من شبة جزيرة العرب الي (الهلال الخصيب ) و بالشكل الذى تم تصوره ،لدى بعض المؤرخين ، ومنهم الدكتور (فيليب حني ) بقيت تفتقرالي الادلة المادية القاطعة ، ماعدا هجرة الأنباط و الفساسنة و المناذرة ، و الهجرة الكبيرة التي تمت مع الغزو (العربي _ الأسلامي) أما الباقي فهو حديث خرافة !…

pheonicia-2 المدن و الموانىء الكنعانية
قبل الميلاد بألف و خمس مائة سنة ، الموانىء الكنعانية التي هي الان في سواحل سوريا ولبنان و فلسطين ، تتوالى كحبات العقد ، وكل منها مملكة مستقلة , لها تاريخ وحضارة ، يبدوهذا الأمر غريبا في تاريخ الأنسان ، ومواقعها الجغرافية اساس هذه الحالة ، فهي قائمة علي شريط ضيق ،ممتد علي طول لا يتناسب مع العرض . ويقول العلم الفرنسى ( ارنست رينان A.Renan) في كتابه (بعثة فينيقيا  ص 836 ) عن الساحل السوري ما يلي : “ان هذه البقعة من سوريا ، لم تكن سوى سلسلة من الموانىء ،لكل منها ضاحية ضيقة .فعلي الشواطىء السورية خلجان صغيرة ، و ألسنة قصيرة . وقد تأسست المدن حول الخلجان ، او فوق الصخور ، مقطوعة الواحدة عن الأخرى ( أوغاريت _راميتا_ أرواد _ جبيل _ بيروت _صيدا _صور _عكا ). وقد امتدت المدن الكنعانية من الساحل الي الداخل .ومن مدن الكنعانيين في الداخل( أضنة _ طرسوس _ حاصور _مجدو _بيسان _اريحا _يبوس او اورشليم ) وقد ذكرت هذة المدن الساحلية و الداخلية، في رسائل تل العمارنة المصرية القديمة ،وفي العهد القديم (التورآة )

التجارة البحرية
لا شك ان التعمير و الاستيطان ،ظاهرة اساسية من ظواهر الحضارة الكنعانية ، فقد كان الكنعانيون (الفينيقيون ) انفسهم وهم المحصورون في شريط ضيق من اليابسة ،بين البحر المتوسط ،وسلاسل جبال سوريا الغربية تطوقهم دول قوية … ووجدوا انفسهم متحدين في الاهداف ومجبرين في نفس الوقت ، على التوجة الي البحر .. هذة المغامرة قدر لها ان تكون ، احدى خصائصهم المميزه .

لا توجد تعليقات