الكاتبة والروائية السورية ندى الدانا "الهدف من الابداع الفني هو الإمتاع والتعليم.." *أرسطو Aristotle

10527449_904151582946003_4442119902090438374_n عندما تريد الفراشة أن تطير، تبدأ في بسط جناحيها، ثم تحلق في فضائها، وسرعان ماتصبح الفراشة إنساناً، سيداً لأسطورته، متحرراً من عباءة الماضي الحالمة، رافعاً راية التحدي، لإعلان مملكة الانسان على الأرض.
هكذا حلقت الكاتبة والروائية السورية ندى الدانا عالياً في سماء الكتابة، وأثبتت وجودها على الساحتين الأدبية والفكرية في سوريا.
وبين رؤية الآخر وقراءة الذات عاشت الجزء الأكبر من حياتها، التي جعلتها شبه أسطورة، تخرج من الوهم، لتمشي على الأرض، وتعشق الحياة بأطيافها المتعددة.. ويقول الكاتب والروائي المصري نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل في الأدب: “كلما رأيت امرأة، رأيت الحياه تسير على قدمين”. وقد كانت المرأة ولاتزال تقدم المحبة والتضحية والعطاء، وتساهم في صنع الحضارة الانسانية.
في الحياة لحظات عابرة، قد تبدو في نظر الانسان العادي، لاقيمة لها، لكنها في الواقع تحوي من المعاني قدراً كبيراً..
عرفت الكاتبة ندى الدانا، من خلال أعمالها الأدبية والقصصية الناجحة، كما عرفتها أيضاً من خلال لقاءات عديدة، كانت لي معها في مدينة حلب، تخللتها أحاديث وحوارات في الأدب والفن والمجتمع.
ندى.. هي إبنة مدينة حلب الشهباء، تلك المدينة التي أنجبت العديد من الأدباء والشعراء والكتاب والمؤرخين، والتي طارت شهرتها في الآفاق، وتغنى بها الشعراء، ومنهم الشاعر (الصنوبري) الذي قال:
حلب بدر دجى     أنجمها الزهر قراها
أي حسن ماحوته   حلب او ماحواها
وقد ذكرها الكاتب المسرحي الشهير (شكسبير) في احدى مسرحياته.
والكاتبة ندى الدانا هي اليوم رمز من رموز حياتنا الأدبية، تشق طريقها بثبات، وسط ضبابيات العصر، وزحمة الأشياء في زمن الأشياء، حيث المواهب في الشرق، مثل الأزهار البرية، تكتفى ببضع قطرات من الماء، تقاوم بها الجفاف..
وتحمل الكاتبة ندى الدانا إجازة جامعية في الهندسة الألكترونية، وإجازة جامعية فى الادب الانكليزي. وهي تعمل فى مجال اختصاصها الهندسي، الى جانب الكتابة الادبية، وهي مثقفة ثقافة عالية، متعددة الجوانب، كما أنها متواضعة، ومحدثة بارعة..

الحضور الأدبي
مما لاشك فيه أن الابداع فعل وجودي –حسب رأي أرسطو- وضرورة نفسية، أكثر مما هو شرورة ثقافية، وإن أجمل الكتابات، هي تلك التي يقترحها الخيال ويكتبها العقل.
وندى الدانا شخصية مولعة بالثقافة، التي ترقى الى الذرى وتدفع بنا الى التأمل، الذي يفتح للفكر والقلب ابواب المعبد.. وهي بأعمالها الأدبية، تزيد الفن فناً، والحياة حيوية، والأدب القصصي روعة وسحراً.. إنها تتمتع بذاكرة تفصيلية، عن مراحل تجربتها الابداعية، في مجالات الأدب كافة، وروافد هذه التجربة، وهي تنتقي من الحياة، مايناسب النص، وترجئ وماتبقى لنص موعود..
والقصة والرواية عند الأديبة ندى الدانا، تشكل فضاء رحباً، وعالماً من الصور والألوان. والروائي الذي لايتمكن من قراءة التاريخ والجغرافيا، والسياسة والعلم والفن. هو روائي منقوص، وبالطبع سنفهم من ذلك، أن القراءة في مختلف أنواع المعارف هي روافد ذات أهمية قصوى، في عملية إنتاج النص الأدبي.
وصاحبة رواية (سراديب اللهفة) تحاول استكمال هذه التجربة، بفتح ابواب المعرفة، والاكثار من القراءة والبحث. وهذا هو أحد أسرار تمتع قصصها ورواياتها بالتوجه المعرفي، الذي تعالجه بحرفية الأديب، كي يتحول الى فن يمتع ويعلم، ويرتقي بالانسان، ويطور المجتمع. وقد جعلت من القصة مرآة، تعكس حياة الناس، في واقعها المادي الملوس، وتفتح الآفاق على آماد بعيدة..
وثمة روافد أخرى. لتجربة ندى الدانا، ومنها (السفر) بوصفه أحد الروافد الهامة في تجربتها. وهي تؤكد أن (الحياة) ليست مجرد رافد تضيفه الى تلك الروافد، التي تغني التجربة الابداعية، لكنها (منبع التجربة) وكل هذه الروافد عندها، تذوب في مجرى النهر الكبير للكتابة.
ولعل الكاتب اقدر من الناقد، على تمييز آثار هذه الورافد في نصه، لو عكف عليه يحلله، ويعيده الى عناصره الاولى.
يقول الكاتب والمفكر محمد الراشد: ” ندى الدانا صوت نسائى قادم من عمق التجربة الوجودية للقرن العشرين، بكل أبعادها. لذا فهي حين تكتب، فإنها تخط بيراع مضمخة بأريج الحياة، التي عكرت صفوها المدنية المعاصرة، بكل ضجيجها وقسوتها، على النبض الداخلي للفنان، لكنها لاتكاد تأبه بذلك كله، مصممة على خوض تجربتها الذاتية، لتعميق حضورها الأدبي، على الساحة الثقافية”.

ندى والقصة القصيرة
القصة القصيرة جنس أدبي، تهدف الى تقديم حدث وحيد، ضمن مدة زمنية قصيرة، ومكان محدد غالباً، لتعبر عن موقف، أو جانب من جوانب الحياة. كما يمكننا القول أن القصة القصيرة هي فن اللحظة المهمة.
والقصة القصيرة عند روادها المؤثرين: (موباسان، زولا، تشيكوف، همنجواي، كافكا، يوسف ادريس وزكريا تامر وغيرهم..) تهتم بالتكثيف والتركيز، في التعبير والتصوير، وقد تحددت رسالة القصة القصيرة، أو على الأصح نوع التعبير الفني، الذي تهتم به، وهو استكشاف الحقائق، من الأمور الصغيرة العادية والمألوفة في الحياة اليومية.
وبينما أصبحت القصة القصيرة، أحد فنون الأدب الأكثر تقدماً وشعبية، بين فنون الأدب الأخرى، متفوقة على الرواية بصورة خاصة، فقد أختارت الأديبة ندى الدانا، عالم القصة القصيرة، وقد شغلتها في قصصها قضايا عديدة، تمتد على مدى الماضي والحاضر والمستقبل، والمفارقة بين الحلم والواقع، ومشكلة العدالة الانسانية، وحرية الانسان وطموحه الى حياة أفضل، والتخلف الحضاري، الذي يلقي بظلاله السوداء على كثير من جوانب الحياة، ثم الزيف والنفاق، وإحباطات الانسان ، ومواضيع أخرى عديدة، وهي في كتاباتها تحاول إلقاء الضوء على جوانب الحياة المتنوعة، في محاولة لاكتشاف اسرارها، وتبديد الظلام الذي بات يلف حياتنا، في هذا الزمان العربي الصعب، حيث يتأرجح كل شئ، بين الموت والحياة، بين التوق الى الخلاص والهزيمة المحدقة!..

لا توجد تعليقات