الروائي السوري حنا مينة.. أديب البحر "لقد كانت بلادي شراعاً.. وستبقى" *الشاعر يوسف الخال

123 عندما يذكر أدب البحر، فلا بد أن يأتي في المقدمة الروائي السوري الكبير (حنا مينة) فهو أديب البحر العربي بلا منازع. واذا كان (هرمان ملفل Herman Melville) صاحب الملحمة البحرية العظيمة (موبي ديك Moby-Dick) هو روائي البحر الأول فى الادب العالمي، فإن (حنا مينة) هو روائي البحر العربي الأول، وذلك بما قدمه من روايات بحرية كبيرة وكثيرة، أشهرها ملحمته البحرية (الشراع والعاصفة) وثلاثيته الروائية (حكاية بحار –الدقل- المرفأ البعيد) وهو يعد أيضاً أحد كبار كتاب الرواية العربية، من جيل مابعد نجيب محفةظ.. إنه أديب يعشق البحر ويحرص على التجديد والتفرد، وعلى فتح مجالات وآفاقا جديدة للأدب العربي الحديث.

ملامح من سيرته الذاتية
ولد الأديب والروائي (حنا مينة) في مدينة اللاذقية على الساحل السوري. وقد عاش طفولته في إحدى قرى لواء اسكندرون السوري.
وفي عام (1939) عاد الى اللاذقية إثر اغتصاب الأتراك لواء اسكندرون وضمه اليها، مع حاضرته مدينة (أنطاكيا Antakia) التي ظلت عاصمة سوريا لمدة تزيد على (900) عام (300 ق.م – 635م).
عاش حنا مينة حياة قاسية، وكافح كثيراً في حياته.. عمل حمالاً في ميناء اللاذقية ، وهو صبي، لم يشتد عوده بعد.. كما عمل حلاقاً، ومصلح دراجات، ثم بحاراً على ظهر السفن والمراكب، وعاملاً في صيدلية، الى كاتب عرائض حكومية، إلى صحفي وكاتب مسلسلات للاذاعة السورية باللغة العامية، الى موظف حكومي، ثم الى روائي.. وبين هذه وتلك، كتب المقالات والأخبار الصغيرة للصحف، وشهادته العلمية هي فقط شهادة الدراسة الابتدائية ، لكنه تعلم الكثير في مدرسة الحياة.
وفي عام (1947) استقر به الحال في مدينة دمشق، حيث عمل في جريدة (الانشاء).. وبفضل موهبته ونشاطه، أصبح رئيس تحريرها. وقد ساهم مع لفيف من الكتاب التقدميين المتنورين في سوريا عام (1951) بتأسيس (رابطة الكتاب السوريين).
كما ساهم بشكل كبير في تأسيس (اتحاد الكتاب العرب) عام (1969) ثم عمل مؤخراً، مستشاراً في وزارة الثقافة السورية. وقد أدركته الوفاة في الرابع من شهر آذار من عام (2015) عن واحد وتسعين عاماً..

مواقفه النضاليةhana-mina
وقف (حنا مينة) في وجه الانتداب الفرنسي على سوريا وعمره لايتجاوز (12) عاماً. وعرف السجن مرات ومرات.. كما عرف النفي، عنما وقف مدافعاً عن الحرية والديمقراطية، في وجه الظلم والاستبداد منذعام (1958) وبداية حكم الأجهزة الأمنية. التي كانت تلفق له التهم، كما كانت تلفق لغيره، من مناصري حقوق الانسان، تماشياً مع شعار الحكام الطغاه المستبدين (لفق.. تسد)!.. فقد عاش (أي تشرد) في بلدان عديدة، منها روسيا والمانيا وتشيكوسلوفاكيا والصين وغيرها.. وقد قضى في الصين وحدها حوالي عشرة أعوام.
ويقول (حنا مينة) في حديث منشور:
“أنا كاتب الكفاح والفرح الانسانيين، وقد أثبتت الأيام أن تفاؤلي وثقتي، مبنيان على صخرة، كالتي اشاد عليها الرسول بطرس كنيسته” وهو يثق بانتصار الانسان عبر كفاحه، ويتفاءل بأن الانسان العربي، الذي رسمه في جانبه المشتعل (حسب تعبيره) قد يتراكم عليه الرماد، ولكنه لايبلغ أن يطفئ الجذوة المتقدة فيه، وسوف تهب رياح التغيير والثورة الحقيقية، في وجه الديكتاتورية والاستبداد، وإرهاب الأجهزة الأمنية!..

البحر عند حنا مينة
لقد شق الورائي (حنا مينة) طريقاً جديدة في الأدب العربي، لم يعرفها هذا الأدب قديماً أو حديثاً من قبل، وهو يقول:
“إنني كتبت مقدمة كتاب البحر، ومع كل ما أنجزته من روايات متخصصة في البحر وللبحر.. وفي كل رواياتي يتجلى البحر في شكل من الأشكال، وليسامحني القراء إذا قلت أنني أديب بامتياز”..
وعن مغزى اختياره لعالم البحار قال:
“تسألني.. لماذا أغرمت بالبحر والبحارة، والسفن والموانئ فأجيبك: “إن البحر هو ذاتي.. فقد تشردت في موانئه، وغامرت في اسفاره، وخبرت ما في الموانئ من دنى.. تسكعت في طرقات هذه المرافئ، وعاشرت بحارتها وحماليها، وعمالها ولصوصها. وغشوت خماراتها وأزقتها.. قاسيت الجوع، وتلذذت بالشبع.. سرت على الرمال.. تسلقت الصخور، وجمعت الأصداف.. وكنت في كل ذلك، كحديدة ألقيت في نار فانصهرت، وتشكلت على نحو ما آراد لها الحداد أن تتشكل.. أي أنني صرت ذات البحر، وصار البحر هو ذاتي. وعن هذه الذات عبرت في أدبي، فكان كل شئ في هذا الأدب، واضحاً كحقيقة، مستقيماً كطلقة، عارياً كآدم وحواء، عندما أكلا تفاحة الخير والشر”..
ويتابع الأديب قلئلاً:
“ومع كل ماكتبت عن البحر فأنا ما أزال من كتابه في المقدمة، وسيأتي غيري، فيكتب متونه وحواشيه، وعندئذ يجارى أدبنا الأدب العالمي، الذي تجاوز اليابسة الى الماء مع (موبي ديك) الى (الشيخ والبحر) وغيرهما كثير..
إن البحر عندي، ليس سوى خلفية طبيعية ظلالية او تزينية، كما يقول الناقد (عبد الرزاق عيد) بل هو عامل روائي، تتطور فاعلية الرواية، بتطور حركة الزمن وفاعليتها، وبتطور الشخصية الروائية وفاعليتها ايضاً..

أسلوب حنا مينة الروائي
يتآخى (حنا مينة) في رواياته مع (الجاحظ) في دعاباته، ومع (مارون عبود) في نقده المستملح، ومع (غادة السمان) في تطوافها ومع (يوسف حبشي الأشقر) في حواراته المحكمة، ومع (توفيق يوسف عواد) في سرده المنتظم، برشاقة راقص عتيق.. كل ذلك بلغة فيها من بلاغة الاقدمين أمتعها، ومن طلاوة المحدثين آصفاها، مع اشتقاقات مصدرية مألوفة، وبقلم (حنا مينة) تبدو كأنها تستخدم لأول مرة.
وينفرد (حنا مينة) في خلق الشخصيات واحترامها الى اقصى الحدود.. فالكل في نظره متساوون، على الرغم –وهذا من حقه- تفاوت الحب والأعجاب لكل منهم.. وهنا تتجلى النزعة الانسانية في أدب (حنا مينة) والمقصود بالنزعة الانسانية، ليس تحدثه عن مآسي الانسان ومتاعبه، إنما المقصود ترفعه عن التمييز بين انسان وآخر، أيا كانت منزلته الاجتماعية، أو معتقداته الدينية أو السياسية، وقد يكون من هذه الزاوية سباقاً ورائداً..

المرأة في أدب حنا مينة
يقول (حنا مينة) :”حاولت في رواياتي أن انصف المرأة، فكانت صورتها دائماً للبهاء والجمال”.. وحضور المرأة في روايات (حنا مينة) اساسي ووجودي، لا بالنسبة للرجل وحده، بل بالنسبة للحياة أيضاً.. إن المرأة العربية التي رزحت تحت عبء قرون من التضييق، أورثتها البلادة والخوف وعدم الثقة، تحت اسماء وعناوين كثيرة ومغرية!.. وهو يقول في لقاء معه: “اثنان لا أرتوى منهما أبداً، هما المرأة والبحر”!..

حوارات مع حنا مينة
أجرى العديد من الكتاب والصحفيين والنقاد، لقاءات عديدة مع الأديب والروائي الكبير (حنا مينة) وعندما سئل : “عندما ظهرت أعمالك في السينما، هل كنت راضياً، أم أنك صرخت كما صرخ الكاتب العالمي (أرنست همنجواي Ernest Hemigway) عندما شاهدت روايته (الشيخ والبحر The Old Man and the sea) في السينما حين قال: “يا للأوغاد.. لقد شوهوا شيخي!” قال (حنا مينة): “صرختي أشد من صرخة همنجواي.. السينما شوهت ابطالي”!.. وهو يقصد أن المخرجين قد عدلوا في الصورة الحقيقية، التي رسمها الكاتب لأبطال رواياته..

لا توجد تعليقات