الدقيقة الفاصلة بين رحيل2016 وميلاد2017

عندما تدق الساعة دقاتها الإثنى عشر منتصف ليلة ال” 31 من ديسمبر ” تكون إيذاناً بوداع عام 2016 بكل أحداثه جملة وتفصيلاً واستقبال عام 2017 والجميع تملأهم الأمال والأحلام راجين تحقيقها في العام الجديد وبين أن تتحقق أو لا تتحقق العلم عند الله ولا يمكن أن يُعطى كشف حسابها إلا في الدقيقة الأخيرة من منتصف ليلة اليوم الأخير من الشهر الأخير في العام لتتجدد الأمال والأحلام ثانية بالنسبة للعام التالي . العالم كله من مشارقه إلى مغاربه يحتفل في هذه الدقيقة باستقبال العام الجديد حسب التقويم الميلادي للسيد المسيح له المجد وقد بدت في سماء المشرق نجمة لامعة تقول بأن عهداً جديداً قد بدأ بولادته . يقولون أن دقيقة واحدة تُغير في مجرى الحروب ولا إنكار في أن دقيقة منتصف الليل الفاصلة تُغير من حسابات الزمان وأحداثه  ، أسأل ، ماذا تغير بالنسبة للعالم خلال العام الراحل بأيامه ال ” 366 ” ودقائقه التي تقدر بالملايين ، هل غيرت ملايين الدقائق شيئاً في العالم عن العام الذي قبله ، وهل التغيير كان للأفضل أم الأسوأ ،  ماذا عن حروبه وسلامه وإنسانيته وأحداثه بصفة عامة ، نحن نقول العالم مجازاً لكن القصد هو بشر هذا العالم لأن العقول البشرية بين الخواء والامتلاء هي التي من خلالها تسير الأحداث التي تُغير المسارات والاتجاهات في دول بأكملها والتي بدورها تعكس أثارها سواء بالقليل أو بالكثير على باقي العالم . منذ أن خلق الله العالم بكل ما عليه وختمه بالخليقة البشرية وقد خصها وتَوَجها عن باقي المخلوقات بشيء اسمه العقل والعالم يتقلب بين أمم وممالك تولد وأمم وممالك تزول ، والعامل المحرك كان دائماً هو البشر أو بمعنى أدق العقل البشري ، هذا إذا استثنينا النهاية البشرية من فوق الأرض في زمن الطوفان لأنه كان من السماء وحتى هذا يمكن أن نرجعه إلى العقل البشري فلولا انحرافات العقول ما كان سيأتي الله بالطوفان على الأرض ليبيدالبشرية ولم ينجو سوى ” نوح ” وعائلته داخل الفلك ولولا وعد الله الذي جاء مكتوباً في العهد القديم بأنه لن ينزل إبادة شاملة على البشر مرة ثانية لكان العالم مر بالعديد من ويلات الإبادة الشاملة لأن العقول لم تتوقف عن انحرافاتها عبر زمان ما قبل التقويم الميلادي واستمرت حتى بعد التقويم ، انحرافات تتغير وتتبدل مع الزمن لكن جميعها تتفق على خاصية واحدة هي الغباء البشري القاتم أو الحالك في تفهم المقصود الإلهي من خلقه للبشر ولا يفوتني بالتأكيد أن أستخدم هنا مثلاً عامياً يقول ” إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت الرقص ” الأب آدم أول الخليقة بدأ بأول انحراف عقلي ولم يختلف عنه أول نسله قايين ” قابيل ” الذي بدأ أول جريمة على الأرض بقتله أخيه هابيل ، ثم سار البشر بالانحرافات العقلية وتضخيماتها عبر الزمان إلى أن بدأ التقويم الميلادي الذي نحتفل بمرور أعوامه عاماً  تلو الآخر والانحرافات العقلية وتضخيماتها تزداد إلى الأضخم حتى وصلنا إلى الدقيقة الفاصلة بين العام الراحل 2016 والعامل المقبل 2017 وليس معنى كلمة ” حتى ” أنها ستتوقف عند هذه الدقيقة بل أتوقع أن تزداد إلى الأضخم والأضخم وهذا ليس بغريب والغباء البشري يزداد يوماً بعد يوم ويستفحل مع مرور الأعوام ، إلى أن يضع الله النهاية الأخيرة لمسرحية ” العالم الغبي ”  ، لأنه لا أمل في الإصلاح ونسبة الانحرافات العقلية في تصاعد مستمر حتى سادت في الكثير من العقول فأصبحت تعمل بالتسيير الجسدي فقط أما العقل والفكر فيحق لي أن أقول أنهما ذهبا مع الريح . لست متجنياً ، لست متشائماً ، لست أستعرض الكلمات لملأ خانة فقط ، حقيقة غير قابلة للجدال ، ولماذا الجدل ؟! ، فلنتأمل الأحداث اليومية في العالم ، لن أقول لفترة زمنية طويلة ، بل فقط لعدة أيام ، في اليوم الأول سنصل إلى 50% من الحقيقة  ، اليوم الثاني ترتفع النسبة إلى 75% ، في اليوم الثالث نكون قد توصلنا إلى 100% من حقيقة أن العالم  بالفعل يسير بقوته الجسدية وليس بفكره العقلاني ، وهذا ما يدفعني بشدة إلى الإيمان بأنه كان بيننا نبياً اسمه ” سعد زغلول ” قال قولته الشهيرة أو نبوءته ” مفيش فايده ” ، ولم يفطن أحد إلى أن قولته أو نبوءته كان يخص بها العالم ، مفيش فايده في إصلاح الانحرافات العقلية لبشر هذا العالم ، لا الحكام فيه يعقلون ولا المحكومين يحاولون أن يُصلحوا من عقولهم ، عالم لا يعرف سوى إطفاء الأنوار في الدقيقة الأخيرة من منتصف الليلة الأخيرة للعام ليضيئها ثانية وسط احتفالات مبهرة ليقول أن عاماً جديداً قد بدأ وهم لا يعلمون أنه عام جديد على ميلاد السيد المسيح الذي قال أحبوا بعضكم البعض ، لكن أين هي المحبة الآن ، إسألوا عنها دماء البشر التي تُهدر في كل مكان في العالم وترفضها الأرض كدماء هابيل التي أُهدرت بيد شقيقه ، البعض يتلذذ بإهدارها ، والبعض يتلذذ بأنها هو المُخطط لتُهدر ، والبعض يتلذذ بمشاهدتها ، والبقية الباقية تقف تستغفر الله في سلبية تامة ولا تحرك خطوة نحو الإيجابية الفعالة لوقف نزيف الشر البشري الذي امتزج بالدماء المهرقة بلا سبب سوى الانحرافات العقلية لبشر العالم لأنه عالم مجنون مجنون مجنون . لست مبالغاً ، لست خيالياً ، لست ساخراً ، بل أكتب الحقيقة التي أصبحت تطل علينا بقباحتها كل يوم دون رتوش أو حياء ، هل أنا أدعي ،  افتحوا خريطة العالم من قطبه إلى قطبه وضعوا عليها الأحداث ، لا تتعبوا أنفسكم وتحاولوا أن تستدعوا التاريخ من بدايته ، أقصد من أول سنة ميلادية ، فقط أبحثوا في السنوات الأخيرة من الألفية أو لنقل اعتباراً من منتصف القرن الماضي وأنتم ستعلمون الحقيقة كاملة لأن هذه السنوات تُعطي صورة واضحة عن الانحرافات العقلية للبشر عن العشرين قرناً الماضية بأكملها ، ولماذا أدير رؤوسكم وهي لا تحتمل أكثر مما هي فيه ، سأوفر عليكم كل مجهود ، أليس العالم جميعه سيقف في الدقيقة الأخيرة من منتصف ليلة نهاية العام ليحتفل بعام جديد لميلاد السيد المسيح ، ” سيدنا عيسى ” كما جاء اسمه بالقرآن الكريم مبجلاً موقراً مشهوداً له بأنه كلمة الله ، إذاً فليكن الحكم على ما أقول أو على اتهامي للعالم بأنه انحرف عقلياً وأصابه الغباء ، بعض كلمات فقط من تعاليم ” الموعظة على الجبل ” للسيد المسيح وأعتقد أن هذا من حقي ونحن نحتفل بعام جديد على ميلاده ، والسبب الأقوى لاختياري لها لأنها تصلح لكل البشر بجميع أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم وحتى إلحادهم ولكل الأجيال حتى النهاية ، لأنها الحد الأدنى المفروض للتعامل البشري أو الإنساني والذي يجب أن تفرزه العقول السليمة ، كلمات يجب أن يتحلى بها العالم وبشره ليكون جديراً بأن يُطفئ الأنوار في الدقيقة الفاصلة بين العام الميلادي المنقضي وبدأ العام الجديد ليقول لصاحب الميلاد بجدارة ، حتى لو قضينا العام المنصرم في الظلمة سنبدأ العام الجديد في النور ، هذا هو مفهومي الذي أعتقد اعتقاداً تاماً في صحته ، لقد نادى السيد المسيح في موعظته بالرحمة ، فهل كان العالم رحيماً على بعضه في العام الراحل وهل في ذهنه أن يكون أكثر رحمة في العام الجديد ؟! ، نادى السيد المسيح بالسلام فهل كان كل من يملك إرساء قواعد السلام في العالم صادقاً مع نفسه وحاول بصدق أن يوقف التطاحن الدموي وحتى لو فشل مع افتراض حسن النية ، هل سيعيد المحاولة ليحول هذا الفشل إلى نجاح في العام الجديد ليكون عام السلام على البشرية ؟! ، لقد نادى السيد المسيح بنقاوة القلب فكم من القلوب تنقت في العام الماضي وكم من القلوب تنوي أن تتنقى في العام الجديد وكم من القلوب أصرت وتصر وستصر أن تكون مخزناً للأحقاد والشر وكل التشوهات الخلقية ؟! ، لقد أوصى السيد المسيح بالمحبة ، فهل أظهر العالم المحبة لبعضه البعض وهل وهو يشعل أنوار العام الجديد يبتهل بأن يزيد قلبه بالمحبة ، لقد قال السيد المسيح أن النظرة الخاطئة تُحسب على أنها زنا القلب فما بالك بالزنا الفعلي الذي يسود الآن أكثر من الارتباط بالحلال ، لقد قال السيد المسيح قولته التي لو سار عليها العالم لكان الآن يسير بكماله الأرضي ” أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا من أجل الذين يسيئون إليكم ” . هذه بعض كلمات لصاحب الميلاد سقتها دون ترتيب أو شرح أو إطالة ، حتى لا تتحول كلماتي إلى عظة دينية وأنا لا أقصد منها سوى أن أقول أن الاحتفال بالعام الميلادي يجب أن يكون احتفالاً عالمياً وأننا ندرك لماذا يجب أن نحتفل ، فهل هذا ما يحدث ، دعونا نستعرض الواقع ، لنرى كم التشوهات التي لحقت بكلمات السيد المسيح ، ونرى كيف أصبحت في عالم الآن الذي يتسابق على الاحتفال ببداية سنة ميلادية جديدة ، أسمحوا لي أن أعود إلى كلماتي التي قلتها في البداية بأننا في عالم الآن” لا الحاكم فيه عاقل ولا المحكوم يحاول أن يُصلح عقله ” ، وبهذا نكون قد وصلنا إلى مفترق الطريق ، فلنترك فكرة أن الدقيقة الأخيرة التي تفصل بين العام والعام نحتفل بها من أجل أن نقول أنها احتفال بسنة ميلادية جديدة للسيد المسيح له المجد لنرفع من خلال تعاليمه مظلة أمان على العالم كله ، ولنتمسك بالدقيقة الأخيرة كمجرد انتقال من عام إلى عام في عالم فقد السيطرة على عقله فأصبحت سلوكياته أقرب إلى الجنون إن لم يكن هو الجنون ، عالم عكس الموعظة على الجبل وحولها إلى الضد ، حول الكلمات مع سبق الإصرار والترصد إلى، أبغضوا بعضكم البعض ، طوبى لصانعي الحروب والقتال لأنهم أبناء الشيطان يدعون ، لا ترحموا بل ارجموا ، ازنوا بكل ما تملكون من شهوات بل مجدوا سيرة قوم لوط وتسابقوا إلى كل ما هو شاذ ، أبغضوا أعداءكم  ، ألعنوا لاعينكم بلعنة أكبر ، ضعوا الحذاء فوق رؤوس مبغضيكم  . إذاً فلتحتفلوا بالدقيقة الأخيرة واطفئوا الأنوار وأوقدوا الأنوار واصرخوا بأعلى صوتكم لقد ضعنا وضيعنا معنى الاحتفال .

لا توجد تعليقات