ابن خلدون.. رائد التفسير العلمي للتاريخ "إن ابن خلدون قد تصور وصاغ فلسفة للتاريخ، تعد بلا شك أعظم عمل من نوعه.." *Arnold Toynbee ارنولد توينبي

gobran يعتبر العلامة عبد الرحمن بن خلدون، واحداً من كبار المؤرخين في العالم، وهو واحد من أكثر العلماء تأثيراً في العلوم الانسانية المعاصرة.
ولد في تونس عام (1332م) وتوفي في القاهرة عام (1406م) وقد قضى أغلب حياته، متنقلاً بين شمال أفريقيا الى مصر والحجاز والشام.
وقد امتاز بسعة اطلاعه، على ماكتبه الأقدمون، وعلى أحوال البشر وقدرته على استعراض الآراء ونقدها ودقة الملاحظة، وحرية في التفكير، وإنصاف اصحاب الآراء المخالفة لرأيه.

مؤلفات ابن خلدون
إن أشهر مؤلفات ابن خلدون هو كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر..) الذي يقع في سبعة مجلدات، أولها (المقدمة) المشهورة باسم (مقدمة ابن خلدون) وهي عبارة عن مدخل موسع لهذا الكتاب، يتحدث فيها ويؤصل لآرائه في التاريخ والجغرافيا والعمران، وأحوال البشر وطبائعهم، والمؤثرات التي تميز بعضهم عن الآخر.. والواقع أن ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، ارادفهم التاريخ على ضوء علم الاجتماع، ولذلك عالج موضوعاً آخر، هو ما عرف باسم (فلسفة التاريخ) كما يعتبر مؤسس علم الاجتماع، بناء على الاستنتاج والتحليل في حوادث التاريخ وحياة ابشر، وقد توصل الى نظريات باهرة في هذا العلم، حول قوانين العمران (الحضارة) ونظرية (العصبية) وبناء الدولة، وأطوار أعمارها وسقوطها. وقد سبقت آراؤه ونظرياته ماتوصل إليه العديد من مشاهير العلماء، ومنهم العالم الفرنسي (اوغوست كونت) وقد ترجم كتاب (المقدمة) إلى كثير من لغات العالم في الشرق والغرب على حد سواء. ويقول مكسيم رودنسون: “من المعلوم الى أي استأثرت باهتمام الباحثين آراء ابن خلدون في التاريخ والاقتصاد والفلسفة الاجتماعية والدين. تلك الآراء التي تبقى ولاشك اسهامه الأساسي في ارث البشرية الذهبي (الاسلام والرأسمالية – بيروت 1966).
ويقول المستشرق الفرنسي (دي بور) صاحب كتاب (الفلسفة في الاسلام): “لم تنزل المدنية الاسلامية في المغرب، تسير على غير هدى، تنهض حيناً، ونتحط حيناً آخر، في دويلات الطوائف. ولكن قبل أن تندثر كل معالمها، جاء الرجل الذي حاول أن يكتشف قوانين تكونها!.. ومن كتبه الآخرى (لباب المحصل..) في أفكار العلماء والحكماء والمتكلمين وكتاب (شفاء السائل) في التصوف…

التاريخ عند ابن خلدون
إن من أهم أغراض دراسة الماضي، هو فهم الحاضر من جميع وجوهه، ويعرف ابن خلدون التاريخ بقوله:
“فن التاريخ الذي تتداوله الأمم والأجيال، هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من لقرون الأول، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتحليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، لذلك فهو أصيل في الحكمة عريق. جدير بأن يعد في علومها خليق..”
إن هذا التعريف، يعكس فكر ابن خلدون عن التاريخ، فهو فن من فنون المعرفة، يحوي أخباراً عن الزمن الماضي، غير أن هذه الأخبار ليست هي كل شئ في التاريخ، إنما هي الصورة التي تبدو لنا هي محصلة لحركة أخرى في هذا الكون غير مرئية، وشكل من العوامل وفعلها المفرد والمتضافر، الذي بموجبه تحدث الأحداث والوقائع!..
وقد نجح ابن خلدون حقاً في استنباط نتائج عامة، وقوانين صحيحة في مجال التاريخ والمجتمع، ولم يكن ابن خلدون رائداً مبتكراً في فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع فحسب بل كان الى جانب ذلك رائداً ومبتكراً في أصول التحقيق والنقد التاريخيين، وفي الأصول النظرية لكتابة التاريخ. وإن هو لم يحسن دائماً تطبيق تلك الأصول!.. ومن البديهي أن تفسير التاريخ وفاسفته إنما تقوم على أساس أن هناك قوانين في الحركة التاريخية، يمكن إكتشافها والاستفادة منها في معرفة مراحل قيام الحضارات والدول، وأسباب سقوطها!..

الولوج الى التاريخ
بدأ ابن خلدون (المؤرخ) بالتعرف بدقة الى تاريخ اسبانيا، والمغرب الأفريقي وجزيرة صقلية، فيما بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر للميلاد.
وإنما اختار هذا الشطر من التاريخ، لأنه أقرب الى زمنه ولأنه أقرب الى أن يستطيع معرفته بالاختبار المباشر، ومع هذه العملية المركزة على الاختبار المباشر، عمد ابن خلدون الى عملية (تجديد) فأستنبط من تلك الحقائق والظواهر التاريخية، التي اجتمعت لديه (قواعد عامة) وجد سير التاريخ الذي يبحث عنه، منطبقاً عليها!..
ومن ثم توسع الى آفاق آخرى من التاريخ، معتمداً على مانقل إليه من علم غيره. إذ أن الانسان لاينبغي أن يكتفي بتجاربه الفردية فلحظ أن القواعد العامة التي كان قد جردها من قبل، تصدق هنا أيضاً، لوصف حركة التاريخ وسيره..

المؤرخ الأمثل
إشترط ابن خلدون على المؤرخ الأمثل، خصائص خلقية وثقافية، جعل على رأسها التنزه عن الهوى، ثم جمع باقيها في الفقرة التالية:
“يحتاج صاحب هذا الفن (يعني التاريخ) الى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم والبقاع، والأخلاق والقواعد، والنحل والمذاهب، وسائر الأحوال، والأحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة مابينه وبين الغائب من الوفاق، أو بون مابينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منها والمختلف، والقيام على أصول الدول، ومبادئ ظهورها، وأحوال القائمين بها وأخبارهم، حتى يكون مستوعباً لأسباب كل حادث، واقفاً على أصل كل خبر، وحينئذ يعرض خبره المنقول، على ماعنده من القواعد والأصول، فإذا وافقها وجرى على مقتضاها، كان صحيحاً، وإلا زيفة واستغنى عنه”..

مخالفة الوقائع التاريخية
لاحظ ابن خلدون أن المؤرخين، إما سهواً أو عمداً، قد خالفوا في كثير من الأحيان الوقائع التاريخية، فلم يصوروها على حقيقتها، فبحث في أسباب ذلك، وردها الى جملة أمور منها:
1/ضعف التحقيق في المنقول.
2/الشغف بالاغراب وبالروايات المشوقة.
3/التشيع والهوى.
4/التقرب إلى اصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح.
5/الجهل بطبائع الاحوال والعمران، وهذا هو أقوى الأسباب التي تدعو المؤرخين الى الغلط، فالمؤرخ (المسعودي) حين زعم أن حملة السلاح من بني اسرائيل، كانوا في التيه (600) الف ويزيدون. وانما وقع في هذا الشطط، الذي لايقره عقل، لأنه كان جاهلاً بطبيعة الاحوال، وطبيعة صحراء سيناء. وقد وقع المؤرخ (الواقدي) في خطأ أفدح، حين زعم ان عدد افراد جيش الروم في اليرموك كان الف الف وستمائة الف (أي مليوناً و 600 الف جندي) في مقابل (40) الفاً هم جيش الفاتح خالد بن الوليد. كما زعم (الواقدي) أن خالداً قد أسهم في فتح الأسكندرية، الذي جرى في عام (642م) ومن الثابت أن خالداً، قد توفى قبل ذلك بخمس سنوات. ومن المؤكد أنه لم يدخل مصر مرة في حياته. وقد ذكر أحد المؤرخين خبراً عن (مجاهد) من بلاد اليمن، كان يقوم بالغزو في بلاد الصين نهاراً، ويعود لينام في بيته باليمن ليلاً؟!…

الاجتماع الانساني والعمران البشري
أعمق ابن خلدون النظر في الحقائق والظواهر التاريخية، لكي يجرد منها قواعد عامة، ينطبق عليها سير التاريخ وحركته، وهو إنما اشترط على المؤرخ النزاهة والعناية بتقرير الوقائع التاريخية والعلم بقواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم.. الى كل ذلك توصلا الى تلك القواعد العامة، والقوانين الشاملة، التي يتكيف بها مجرى التاريخ. على أن معرفة تلك القواعد والقوانين ليست شيئاً مطلوباً لذاته وحسب، بل لأنها تساعدنا على فهم المجتمع الانساني والعمران البشري..

لا توجد تعليقات